السياسة الأميركية دراميًا… الإرهاب داخل البيت الأبيض


يتحدث مواطنٌ، بقلق، إلى وزير الدفاع الأميركي في مسلسل “بيرسون أوف إنترست” Person of Interest، ويخبره بأنهم في سعيهم لحفظ “أمن المواطن”، اخترقوا خصوصيته، ودمروها، وجردوه من كل مساحاته الخاصّة.

يردّ وزير الدفاع في هذه اللحظة: “الناس يريدوننا أن نحميهم، ولكنهم لا يريدون أن يعرفوا كيف نفعل ذلك”، في تبريره لما تفعله أجهزة الدولة دائمًا، وما فعلته الولايات المتحدة، خصوصًا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول عام 2001، وتوقيع الرئيس الأميركي جورج بوش آنذاك قانون الـ Patriot Act أو Providing Appropriate Tools Required to Intercept and Obstruct Terrorism.

يُترجم هذا القانون، أحيانًا، حرفيًا إلى “قانون الوطنية”، أو إلى قانون مُكافحة الإرهاب، وهو قانون خاص بتسهيل إجراءات التحقيقات والوسائل اللازمة لمكافحة الإرهاب، مثل إعطاء أجهزة الشرطة صلاحيات من شأنها الاطلاع على المقتنيات الشخصية للأفراد ومراقبة اتصالاتهم والتنصت على مكالماتهم بغرض الكشف عن المؤامرات الإرهابية. هذه الصلاحيات نفسها سمحت لاحقًا بازدياد مقدار عنف أجهزة الدولة تجاه غير المواطنين والمواطنين كذلك، فارتفعت معدّلات عنف الشرطة تجاه الشعب “للاشتباه” بأحدهم بالاعتماد على لون بشرته أو لغته، أو حتى لهجة الحديث الإنكليزية لديه.

شهدت المرحلة اللاحقة انتقالة جديدة في عالم التلفزيون السياسي في الولايات المتحدة، إذ أنتج بعد القانون أكثر من 20 مُسلسلًا أو برنامجًا، تُبيّن حقيقة الحياة داخل دهاليز البيت الأبيض خاصة، وتبيّن الوحشية والبراغماتية وتداخل المصالح وعلاقات القوّة التي تُحرك السياسة كما هي، من دون أي تلميع أو تنظيف. لا تؤلّف هذه الأعمال سيناريوهاتها من الخيال، بل تعتمد كثيرًا على قصص حقيقية، مع بعض التحوير لتناسب الخطوط الدراميّة.

تهدم مثل هذه الأعمال، في المخيال الشعبي الأميركي أولًا، والعالمي ثانيًا، أفكارًا مثالية كثيرة عن العملية الديمقراطية والانتخابية، وكذبة الرسوخ الديمقراطي التي تتباهى دائمًا الديمقراطيات الغربية بها، وتؤكّد أن أيا من الدول الديمقراطية، ومهما كانت فيها فترة الديمومة “للشكل الديمقراطي” مُعرَّضة لأي شكال من أشكال السلطويّة والاستبداد، بغض النظر عن تنظيرها أو بحثها في هذا المجال. هذا بالطبع لا يعني بالضرورة التحول إلى الشكل الاستبدادي الشمولي، لأن هذه الدول لديها مؤسسات قضائية وتنفيذية وتشريعية منفصلة، ويمكنها العمل على تحجيم وهدم قدرات أي حاكم أو عقلية تحاول التلاعب في الشكل الديمقراطي الأساسي.

فِي مُسلسل “هاوس أوف كاردز” House of Cards، تُظهر لنا شخصيتا فرانك وكلير أندروود كمية التنازلات الأخلاقية والمساومات الشخصية والابتزازات العاطفية التي يجب الالتزام بها داخل البيت الأبيض ليحتفظ السياسي بقوته وسلطته وحضوره، بل وحتى نفوذه هُناك. كلما ازددت دهاءً وَمكْرًا، زادت فرص بقائك. يُظهر العمل السياسة مُباشرة مُعريًّا إياها بالكامل، من دون أي إعادة توليف، ويبين لنا أن السياسيين لا يهتمون فعليًا بالمصالح العامة، بقدر اهتمامهم بالمصالح الحزبية أولًا، والشخصية ثانيًا. وكما بدأت أوروبا عصر الاستعمار والإمبريالية خوفًا من الاحتجاجات قبل عدة قرون -خصوصًا فرنسا- قد يبدأ البيت الأبيض حربًا (بأمرٍ من الرئيس)، ليس لشيء إلا لتجاوز فضيحة أو مشكلة نفوذ وسلطة في الوسط السياسيّ.

أما في مُسلسل “ديزيغنايتد سورفايفر” Designated Survivor، فتحاول شخصية توم كيركمان المُستقلة عن أيّة ميول حزبية (لا ديمقراطي ولا جمهوريّ) أن تحقق لأميركا العدالة والمساواة الاجتماعية داخليًا، والسلام خارجيًا، بل وحتى عدم التدخل أو بداية الحروب، ولكنه يُواجه بمقاومة شديدة من الحزبين، بل إن أعضاء الكونغرس كانوا أحيانًا يوقفون عمل بعض المشاريع “المُفيدة” والحقيقية لمساومة شخصية الرئيس للانتماء إلى حزبهم، حتى لو عنى ذلك تضرر بعض فئات الشعب أو التأخر في وصول المساعدات إلى مناطق الأزمات، تحت شعار أن كل شيء مُبرر، فالمهم هو النفوذ والسلطة والقوّة، وليس فيمَ تستخدم، وهو ما يُعيد إلى الواجهة مقولة الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، بأن ميدان السياسة ميدان تنافسٍ وصراعٍ ينتهي بتمركز السلطة “في قبضة جهة معينة […] لذلك تتصل السلطة كثيرًا بالوهم والإيديولوجيا والخداع، كما تتعلق أحيانا بالعنف والقوة الفيزيائية المادية”.

يصوّر هذا العمل أن الشخص إذا كان نظيفًا في ميدان السياسة، فلن يكون الأمر سهلًا بالنسبة له أو عليه، إذ سيحاول الجميع الإيقاع به، ساسة كانوا أو أفرادًا أو شركاتٍ أو حتى قوات مُعادية، لأن القوات العادية تستفيد من الفساد واللعب في المساحات الرمادية داخليًا أو خارجيًا.

كثيرة هي الأعمال التي تناولت هكذا مواضيع تناولًا جديًّا، ولكن وعلى الجهة الأخرى، ازدهرت السُخرية السياسية والبرامج الكوميدية وحلقات الـ”ستاند أب كوميدي” بعد فوز الرئيس الأميركي دونالد ترامب عام 2016. وكما أوضح الكاتب والباحث خليل العناني، فإن دولة مثل أميركا، برئاسة ترامب، تنفي أسطورة “الرسوخ الديمقراطي”، فهو أكّد أن الشارع هُناك والإعلام والجهاز القضائي، ما زالت لها قوتها ونفوذها وسطوتها التي لا يستطيع أي أحد سلبها، وكانت البرامج الساخرة أحد أوجه هذه المساحات.

السُخرية السياسية من النظام الأميركي صارت توجهًا عالميًا، خصوصًا مع ازدياد قوة وتأثير حركة الـ Woke، فاقتصرت الكوميديا على السُخرية من البيت الأبيض وقوانينه والفساد السياسي فيه، وعلى شكل المناكفات التي تحصل حول قضايا تافهة، وقضايا الهجرة والمواطنة، مثل الـ”ستاند أب” الأسترالي جيم جيفريز وبرنامجه الكوميدي “فريدامب” Freedumb والإيراني ماز جبراني Maz Jobrani وبرنامجه “إميغرانت” Immigrant وغيرها الكثير.

كان برنامج “باتريوت أكدت وذ حسن منهاج” Patriot Act with Hasan Minhaj من تقديم “الأميركي/الهندي المُسلم” حسن منهاج واحدًا من أشهر هذه البرامج، إذ انطلق عام 2018 على منصة “نتفليكس” (مسلسل ويب) مُناقشًا طيفا واسعا من القضايا المُهمّة “للشعب” في المقام الأول، مثل موضوع رسوم الجامعة، والتساهل الأميركي مع السعودية، أو ظلم واحتكار الشركات الكُبرى لرؤوس الأموال، أو قضية السود في الولايات المُتحدة، أو شرعنة الحشيش أو الحقوق المدنية وانتهاكاتها، أو ضياع الإعلام وتحوله إلى مواقع وقنوات غيبة ونميمة وغيرها. يتناول منهاج هذه المواضيع من دون أدنى قدرٍ من الرقابة أو الخوف، فهو يستخدم منصة تابعة لشركة مُستقلة (توفر له الحماية على المحتوى)، ويتحدث بإسهاب عن الفساد السياسيّ والعنصرية الممنهجة في النظام العالمي عامةً والنظام الأميركي خاصةً.

أضِف تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s