مَا نجدهُ في التَّرْجمَة


كِتابة: د. حميد دباشي | ترجمة: أنس سمحان

عَلى الرغم من شيوع ذلكَ النَّوع من الحَسرةِ عِند قراءة أيّ عَملٍ يُنشرُ بلغة غير لُغتهِ الأصليّة، وَعلى الرغم مِن انتشارِ فكرة «اسْتحالة» التَّرجمة، فإنِّي مُقتنع تَمامًا، بأنَّ الأعمالَ الفَلْسَفيَّة (وَالأدَبيَّةِ أيضًا، هَل ثمّة فرقٌ بينهُمَا؟) وَعِند ترجمتها، تَكسب أكثر مِمَّا تخْسر.

ولِنَأخذ هايدغر عَلى سَبيلِ المِثال. فلَولا مترجموه الفرنسيون، ومن علَّقوا عَلى أعمالِه مِن بَعدهم، لبقيْت الفَلسفة الألمانيّة في ذلك الوقت، مَحَضَ غابةٍ حَرجيّة غامِضة. ولمْ يَصل هايدغر إلى القَارئ الإنْجليزيّ فِي الولاياتِ المُتحدة وبريطانيا، إلا بَعد تطوير دَريدا على أفكارهِ، وَبعدها بدأَ الجُهد الهايدغري- الدريداوي على تقويض الميتافيزيقا بزعزعةِ أساساتِ التّراث الفلسفي اليوناني.  وَقد يقول قائلٌ، ويكون على حق، إنَّ القدر الأكبر مِن الفلسفةِ القاريَّةِ المُعاصرة تشكّل في اللغة الألمانية مع تلاقح بين الفرنسية والإيطالية، ثُم عُوُلِمَ في اللغة الإنجليزية الأميركية السائدة والمنتشرة، وصارَ له قراءة وواقع عالميين وجديدين.  ولا عَلاقة لِهذا بإِمكَانات اللَّغات الألمانيّةِ والفرنسيّةِ والإنجليزيّة.

اللغةُ الأُم

في كُلّ مَرحلة من مَراحل التَّاريخ، تَكون ثمَّة لغَة مُشتركة للتَّفكيرِ الفلسفيّ، مثل اللاتينيَّة والعربيَّة والفارسيَّة. تتربع اللّغة الإنجليزيَّة الآن هذا العرش، وَحسبَ ما نعرفه حاليًا، فقد تتغير هذه اللغة إلى الصينيَّة.

كان الفيلسوف الإيراني ابن سينا (في القرن الحادي عشر) يكتب جُلَّ أعماله باللغة العربيَّةِ، إلى أن جاءَه أحد الأمراء الراعين له، ولم يكن يعرف العربيَّة، وسألَ عن إمكانية كتابة أعمالهِ بالفارسيَّة، ليكون قادرًا على مطالعتها. انصاع ابن سينا للطلب، وكتبَ موسوعة كاملة عن الفلسفة للأمير، وأسماها باسمه، «الموسوعة العلائية»[1].

لم يكن ابن سينا وحيدًا في اختياره اللغة العربية كلغة رسمية للتفلسف عبرها، إذ كتب الغزالي (حوالي 1058-1111) وشهاب الدين يحيى السهروردي (حوالي 1155-1208) أيضًا بالعربية، رغم قدرتهما العالية على الكتابة بلغتهما الأم، الفارسية، وكانوا يكتبون فيها بين الفينة والأخرى، مثل الغزالي في كتابه «كيمياء السعادة» (كتاب عن فلسفة الأخلاق)، والسهروردي في رسائله القصيرة والبديعة[2]. ولكن وفي زمن ابن سينا ومعاصريه ولاحقيه، كانت العربية قد قعّدت نفسها بقوة من ناحية المُفردات الفلسفية الغنية، للدرجة التي لم يكن لأي فيلسوف جادٍ أن يكتب أعماله الأهم بأية لغة أخرى. كان على النثر الفلسفي الفارسي أن ينتظر بضعة أجيالٍ بعد ابن سينا ليأخذ دوره. مثال الأعمال البديعة لأفضل الدين الكاشاني[3] (توفي حوالي 1214) وأعمال أتباع ابن سينا، مثل خواجة محمد بن محمد بن حسن الطوسي[4] (1201-1274)، ولا سيما كتابهِ «أساس الاقتباس»، والذي وصل فيه النثر الفلسفي الفارسي ذروته.

يحضرني الآن مثال ترجمة امیرحسین آریانپور[6] البديعة لكتاب محمد إقبال[7] إلى اللغة الفارسية “تطور الميتافيزيقيا في بلاد فارس” (1908)، والتي قدمها باسم «سیر فلسفه در ایران»،(1968)[8]، والتي تعد المثال الأوضح على النثر الفلسفي الفارسي وشهادة على أن الترجمة الفلسفية عنصر أساسي في تاريخنا الفكري المعاصر. لو كان ثمة عَالمٌ للفلسفة، أو إذا كان للفلسفة أن دُنيا خاصّة، فإن الفيلسوف والمترجم، اللذان يتطوران في عالمين فلسفيين متجاورين، سيكونا من بين أكثر مواطنيها تقديرًا وتكريمًا.

مُعلِّمَان

يكاد يكون مستحيلًا على أبناء جيلي من الإيرانيين أن يظهروا مقدار الامتنان الذي يحملونه لآریانپور (1925-2001)، فهو أحد أكثر المنظرين الاجتماعيين والنقاد الأدبيين والفلاسفة والمترجمين تأثيرًا في عصره، وبالنسبة لنا، كان نافذة واسعة وجاذبة تجاه عالم التفكير النقدي الغني والمتحرر في إيران. يتذكره اليوم أجيال من الطلاب الذين درسهم في جامعة طهران وخارجها وبتأثير كتبهِ المكتوب والمترجمة، المُثرية والرائدة والتي مكنتنا ومهدت الطريق ليكون لنا خيال فلسفي أوسع.

بعد تعرَّفه على كلٍّ من الأنظمة التعليمية الحديثة والفلسفية، وتلقِّيه لتعليمٍ واسعٍ وعميقٍ في إيران (جامعة طهران) ولبنان (الجامعة الأمريكية في بيروت) وإنجلترا (كامبريدج) والولايات المتحدة (برينستون)، صار آریانپور مفكرًا عالميًا وشخصية رائدة روّجت للنزعة الديالكتيكية (الجدلية) بين العالم المادي وعالم الأفكار. لا زلتُ حتى اليوم، وبعد أكثر من 40 عامٍ من وصولي إلى طهران من مسقط رأسي في الأهواز في أواخر صيف عام 1970 للالتحاق بالجامعة، أشعر بالإثارة والفرح لاكتشاف مقدار ما يمكن تعلمه من رجل كان اسمه مرادفًا للتفكير النقدي والتنظير للحركات الاجتماعية، وقبل كل شيء، دارسًا لعلم الاجتماع.

كان ظهور أشخاص مثل آریانپور نتاجًا لعوامل عدّة: «تحديث» رضا شاه[9] الثقيل الذي رعته الدولة والازدهار الفكري القصير بعد الحرب العالمية الثانية والسفر والتعليم العالي في إيران والعالم العربي وأوروبا والولايات المتحدة وسلوك الحركة المكارثية[10] في الخمسينيات وأخيرًا الانقلاب الذي دعمته وكالة المخابرات المركزية عام 1953، والذي تحولت بعده حرم الجامعات في إيرانِ حلبةً رئيسة لريادته الفكرية لجيل جديد بأكمله. كان آریانپور معارضًا شرسًا لنظام الملكي البهلوي والجمهورية الإسلامية التي خلفته، ما جعله في بعض الأحيان دوغمائيًا في بعض مواقفه الخاصة، ولكنه كان ما يكسر صورة المألوف في نمط التفكير الديالكتيكي، بعد أن صار العنصر التكويني لطلابه، سواء من حالفهم الحظ بمعرفته والعمل معه بشكل مباشر، أو غيرهم من الملايين (أمثالي) والذين استفادوا من عمله عن بعد.

أُقيل آریانپور من منصبه التدريسي في كلية اللاهوت عام 1976، وأحيل للتقاعد عام 1980، وقبل وفاته بقليل، في 30 يوليو/تموز 2001، كان من آخر أعماله العلنية، توقيع خطابٍ يستنكر فيه الرقابة ويندد بها في الجمهورية الإسلامية.

صارت ترجمته الأسطورية وتعليقه النقدي الموسع على كتاب إقبال «تطور الميتافيزيقيا في بلاد فارس»، أول وأهم نص تلقاه جيلي، ليس بما له علاقة مع التاريخ المكتسب للفلسفة في وطننا فحسب، ولكن أيضًا مع وعي أوسع لعالم الفلسفة. تخونني لغتي عندما أحاول وصف القراءة الأولى، الجميلة والساحرة والمثيرة والمتحررة لهذا النص البديع.

 ولد مُحمد إقبال ونشأ في البنجاب، في الهند البريطانية (باكستان اليوم)، لعائلة مسلمة متدينة، وتلقى تعليمه على يد مدرسين مسلمين في كلية سكوتش ميشن في سيالكوت. نشأ إقبال متعدد اللغات ومتعدد الثقافات. وبعد زواج غير سعيد وطلاق لاحق، درس الفلسفة، وآداب اللغة الإنجليزية والعربية والفارسية في الكلية الحكومية في لاهور، حيث تأثر بشدة بتوماس أرنولد، والذي صار قناة دائمة لتعرضه للفكر الأوروبي، تعرضٌ نتج عنه في النهاية سفره إلى أوروبا لقراءة وإجراء مزيد من الدراسات.

حصل إقبال على درجة البكالوريوس من كلية ترينيتي، كامبريدج في عام 1907، وذلك عندما بدأت قصائده الفارسية الأولى بالظهور. ومع انجذابه المتزايد للسياسة، تمكن  من كتابة أطروحة الدكتوراة الخاصة به مع فريدريش هوميل حول «تطور الميتافيزيقا في بلاد فارس». صارت قراءة ترجمة آریانپور الفارسية لعمل إقبال، إحدى أهم طقوس جيلي من طلاب الجامعات المتحمسين لاكتشاف تراثنا الفلسفي.

لقد نشأنا ونضجنا في دائرة أوسع بكثير تضمنت التعلم عن الفلسفة الإسلامية ومكانة الإيرانيين في هذا التقليد. كان ثمة فلاسفة أكثر تعلُّمًا من الذين جذبوا عقولنا وأرواحنا. لقد تعلمنا من الكتابات المهيبة للسيد جلال أشتياني[11]، الرائد بين العديد من الفلاسفة الآخرين في عصرنا، والذي بدأ بتوجيهنا إلى طرق التفكير الفلسفي الفارسي والعربي. ولاحقًا، استدعيت النزعة المختلفة للعلامة إقبال في ترجمة آریانپور، وعلى وجه التحديد حقيقة أنه لم يصل إلينا من خلال الطرق المدرسية التقليدية على الرغم من تناوله العميق لعصرنا الصعب. كنا نقرأ في نصّه نثرًا فارسيًا فائقًا من فيلسوف باكستاني آتى أُكله في كل من شبه القارة الاستعمارية والمدينة الدولية[12] ما بعد الاستعمارية. كان ثمة خبرة وفهمٌ واضحين في ذلك النثر الفلسفي الذي صار حاسمًا بالنسبةِ لجيلي.

مَا وراء الشَّرقِ وَالغَرب

عندما أقرأ اليوم عبارة جوفاء مثل «العقل الغربي» أو «العقل الإيراني» أو «العقل العربي» أو «العقل المسلم» تعتريني حالة من التقزز. أتساءل ما الذي يمكن أن يعنيه مفهوم «العقل الغربي» عند قراءة النسخة الفارسية، لنثر إنجليزي كتبه فيلسوف باكستاني في ألمانيا حول جانب من الفلسفة الإسلامية كان خاصًا بإيران؟ انظر إلى مسار رحلة فيلسوف مثل العلامة محمد إقبال، وفكر في عقلٍ متعلمٍ وملتزمٍ للغاية مثل امیرحسین آریانپور. أين «العقل الغربي» في تلك الجغرافيا المتنوعة للتعلم وأين «العقل الشرقي»؟ وماذا الذي يمكن أن تعنيه؟

كانت حالة «سیر فلسفه در ایران» نموذجًا أوليًا لتعليم جيلي الفلسفي، وقرأنا من كل المحاور، من اليسار واليمين والوسط، ثم الشمال والجنوب، من شبه القارة الهندية إلى أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية وإفريقيا ما بعد الاستعمار، قرأنا كل هذه المعارف بشراهة لم تعرف شرقًا أو غربًا من أية جغرافيا استعمارية. كنا «في العالم» فلسفيًا، وعالمنا صار فلسفيًا عبر جغرافيا خيالية لم تعرف الشرق ولا الغرب.

لا تكسب الأعمال الفلسفية -وقرّائِها- في الترجمة فقط لأن مؤلفيها يأخذون بالتنفس في لغة جديدة، وإنما لأن النص يفتح إمكانيات تأويله وقراءتهِ في عالم غريب عن تكوينه الأولي. وقبل كل شيء، تكسب تلك الأعمال لأنها تفتح نفسها ومؤلفيها لجمهورٍ جديدٍ. عاش أفلاطون وأرسطو حياة باللغتين العربية والفارسية تختلف تمامًا عن حياتهما في المدونة الاستعمارية «للفلسفة الغربية»، والطريقة الفعَّالة الوحيدة لجعل أصداء تلك الفكرة الغريبة، مألوفة، تكمن في جعل الاستعارات المألوفة لـ «الفلسفة الغربية»، غريبة.


[1]  كان اسم الأمير علاء الدين كاكويه، وكانت موسوعة ابن سينا في خمسة أبواب: المنطق والطبيعة والجسد والموسيقى وما هو خارج الطبيعة – (المترجم).

[2]  له عدد من الكتب والرسائل الثابتة والمشهورة مثل حكمة الإشراق وهياكل النور والرقيم القدسي، ولكن جدير بالذكر، أن أكثر الذين نقلوا مؤلفاته وقعوا في التباسات عديدة، لوجود كتب نسبت إليه لا صلة له بها – (المُترجم).

[3]  شاعر وفيلسوف. عاصر هولاكو المغولي ، كما تعرف على نصير الدين الطوسي. من آثاره: «ينبوع الحياة» و«اغار وانجام نامه» و«گشايش نامه» – (المُترجم) .

[4]  المعروف باسم نصیر الدین الطوسي عالم فلكي وأحيائي وكيميائي ورياضياتي وفيلسوف وطبيب وفيزيائي ومتكلّم ومرجع فارسي – (المُترجم).

[5] صدر الدين الشيرازي، فيلسوف فارسيّ جمع بين فرعي المعرفة النظري والعملي – (المُترجم).

[6] كاتبٌ ومترجمٌ وفيلسوفٌ وعالم اجتماعٍ وشخصية أدبية إيرانية – (المُترجم).

[7]  شاعرٌ وفيلسوفٌ ومحامٍ ومنظرٌ سياسيّ ولد في البنجاب تحت حكم الهند البريطانيّة. كان من أهم المنادين بإيجاد دولة خاصة بالمسلمين ومنفصلة عن الهند عند رئاسته لحزب العصبة الإسلامية، واقترح أن يكون اسم الدولة باكستان – (المُترجم).

[8] نُشرت ترجمة للكتابة في العربية تحت اسم «تطور الفكر الفلسفي في بلاد فارس: إسهام في تاريخ الفلسفة الإسلامية» سنة 1989 – (المُترجم).

[9]  رضا بهلوي (بالفارسية: رضا شاه پهلوی): مؤسس الدولة البهلوية، حكم ما بين أعوام 1925 و1941. خلعَ آخر شاه من الأسرة القاجارية الشاه أحمد شاه قاجار في 12 ديسمبر 1925م وأنهى حكم القاجاريين. خلفه ابنه محمد رضا بعد أن أجبره غزو بريطاني – سوفييتي مزدوج في 25 أغسطس 1941م على التنحي في 16 سبتمبر 1941م – ا(لمُترجم).

[10]  سلوك يقوم على مبدأ توجيه الاتهامات بالتآمر والخيانة دون الاهتمام بالأدلة. ينسب هذا الاتجاه إلى عضو مجلس الشيوخ الأمريكي جوزيف مكارثي. كان رئيسًا لإحدى اللجان الفرعية بالمجلس واتهم عددًا من موظفي الحكومة وبخاصة وزارة الخارجية، وقاد إلى حبس بعضهم بتهمة أنهم شيوعيون يعملون لمصلحة الاتحاد السوفيتي. وقد تبين فيما بعد أن معظم اتهاماته كانت على غير أساس. وأصدر المجلس في عام 1954 قرارًا بتوجيه اللوم عليه. ويستخدم هذا المصطلح للتعبير عن الإرهاب الثقافي الموجه ضد المثقفين – (المُترجم).

[11]  أستاذ إيراني في الفلسفة والتصوف الإسلامي. كان من بين طلابه الفيلسوف والمترجم الأميركي ويليام شيتي، والفيلسوف والمترجم الفرنسي وكريستيان بونود – (المُترجم).

[12]  استخدم الكاتب كلمة cosmopolis، والتي تعني المدينة التي يسكنها أناسٌ من دول مُختلفة، مثل لندن أو باريس – (المُترجم).

أضِف تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s