انتفاضة التيك توك أو كيف تمكّن الفلسطينيون من طرح سرديتهم؟


مُلاحظة من المُترجم: لأن ترجمة هذه المقالة سُتنشر على مدونتي وليس في أي من المواقع أو المجلات الأخرى، ولأن نشرها سيكون حرًا، وغير مرتبطٍ بمؤسسة أو جسمٍ ما، فقد آليت أن تكون الترجمة بتصرّف.  أي ذكر لدولة الاحتلال باسمها سيكون بين «بين مزدوجين». وسأعمد أيضًا إلى إضافة مُلاحظات خاصّة مني لتطوير المادّة وستكون مداخلاتي دائمًا بين أقواس أو في الهوامش السفلية من المقالة.

في العدوان الأخير على غزّة، وقبله في الحملة الإعلامية التي انطلقت من الشيخ جراح ونحو العالم (والتي ما زالت مُستمرة حتى الآن) تمكن الفلسطينيون من توحيد خطابهم الإعلامي ضد دولة الاستعمار الاستيطاني في حالة نادرة أثبتت أهمية انسجام السرديات، ومخاطبة الرأي العام العالمي (الناس لا الحكومات) بنبرة واضحة وملائمة، وأيضًا كان الفلسطينيون في الإعلام يتحدثون بنبرة صاحب الحق لا بنبرة الضحية، أثّر هذا على استقبال رسائل الاضطهاد والقمع وخلق نتائج كثيرة وأفشل جهود الهسبرة الصهيونية والعاملة منذ عشرات العقود على إخفاء الصوت الفلسطيني في المنصات الدولية.


انتفاضة التيك تيوك

تملك «إسرائيل»، وبدون أدنى شك، التفوق العسكري في العدوان القائم بينها وبين حماس (العدوان القائم من طرف دولة الاحتلال ضد الفلسطينيين)، ولكن في المعركة الأخرى القائمة للتحكم بالسرديات العامة، يبدو أن «إسرائيل» قد بدأت بخسارة تقدمها.

في جولات العدوان السابقة، كانت الحكومة الإسرائيلية في الغالب قادرة على توحيد رسالتها على أغلب حسابتها وقنواتها الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي وأيضًا عبر قادتها، وهو ما يساعدها على تشكيل السردية لصالحها، إذ تصور نفسها على أنها دولة تتعرض لهجوم غير مُبرر، وأنّ كل ما تقوم بهِ يأتي تحت ذريعة الدفاع عن النفس.

اقرأ هنا: لماذا لا تملك دولة الاحتلال «حق الدفاع عن نفسها»؟

ولكن في هذه الجولة، نجح الفلسطينيون، الذين يتحدثون ضد «إسرائيل» وتفجيره الحربي المدمر لغزة، في رواية قصتهم عبر منصات التواصل الاجتماعي، دافعين «إسرائيل» خارج معادلة مخاطبة الرأي العام العالمي، وهو ما أكسب الفلسطينيين جمهورًا كبيرًا في الولايات المُتحدة (وفي باقي أنحاء العالم).

ابتداءً من صناعة فيديوهات التيك توك ومرورًا باستخدام تويتر في تنظيم الاحتجاجات الدولية وليس انتهاءً بنشر الفيديوهات على إنستغرام والتي تصور وحشية «إسرائيل» في قصفها الجويّ لقطاع غزة، تمكّن الفلسطينيون والمتعاطفين معهم من حول العالم في جعل مواقع التواصل الاجتماعي سلاحًا مركزيًا لمحاربة سردية «إسرائيل». وجدير بالذكر أن هذا السلاح وُظّف توظيفات مُختلفة وعلى أكثر من جبهة: استخدام مختلف المنصات للوصول إلى شرائح مختلفة من الجماهير – في المنطقة والعالم – وفي الوقت نفسه، استخدموا التطبيقات لتنسيق الفعاليات والاحتجاجات بأنفسهم.

استخدمت الأغلبية الساحقة من الفلسطينيين ومؤيديهم المنصات لدحض ادعاءات «إسرائيل» وترويج سردية مناصرة للحق الفلسطيني، استخدمها البعض لمدح عمليات حماس (المقالة في تصميمها مُنحازة لرواية الاحتلال وتحاول أخذ القضية من سياقها الاستعماري الاستيطاني لتبين حقيقة مجزوءة مفادها أن المواجهة ضد حماس فقط).

«كما لو أنها انتفاضة تيك توك»، كانت هذه كلمات مايكل بروننغ، المدير التنفيذي لمكتب المركز البحثي الألماني فريدريك-إيبرت-ستيفتونغ في نيويورك، مستخدمًا كلمة «الانتفاضة» العربية والتي عُرفت باستخدامها لوصفات الهبات الجماهيرية الشعبية الفلسطينية السابقة.

أدت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا مركزيًا في هجومات «إسرائيل» ضد غزّة، حيث كانت مقاطع اليوتيوب ومنشورات الفيسبوك وتويتر تهدف إلى نقل الأخبار والتقارير من على أرض الواقع، ولكن ظهور منصات جديدة مثل تيليغرام وتيك توك سمحت لمزيد من الناس الأصغر سنًا بالدخول إلى المعمعة ورفع أصواتهم ومشاركة تعليقاتهم على ما يحصل. والآن، وبعد تحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى منصات رئيسة في إرسال واستهلاك الأخبار، صار بإمكان الكثير من الناس فهم ومعايشة تعقيدات القضية في وقت حدوثها، وهو ما غطّى وطمس السرديات الحكومية والمنظمة.

«ثمة اختراق للسرديات السائدة»، توضح مروى فطافطة التي تسكن في برلين وتعمل محللة سياسات في موقع الشبكة، وهو مركز بحثي فلسطيني يقع مقره الرئيس في مدينة نيويورك، وتكمل «صار بإمكان الناس أن يروا الحقيقة بعيونهم دون منعٍ أو مراقبة وفي الوقت الفعلي لحدوث العدوان».

وَعِيَ الفلسطينيون أيضًا أن وسائل التواصل الاجتماعي سيف ذو حدّين، كما أشار بعض الخبراء. نظمت عصابات اليمين اليهودي الإسرائيلي هجمات مُنظمة ضد الفلسطينيين في الداخل المُحتل عبر تطبيق المراسلة تيليغرام على سبيل المثال، ولنشر الأكاذيب حول التهديد الفلسطيني عبر تطبيق الواتساب. ومن الأمثلة على هذه الرسائل: «الفلسطينيون قادمون… احموا أولادكم أيها الآباء».

وقال إميرسون بروكينغ، باحث أول في المركز البحثي أتلانتيك للاستشارات في واشنطن ومؤلف كتاب «كأنها الحرب: تسليح وسائل التواصل الاجتماعي»: «صرنا نرى رسائل أكثر من الجانب الإسرائيلي… رسائل غير مُفلترة». والنتيجة النهائية: «الأمر لا يبدو وكأن هناك جانبين يعرضان وجهة نظرهما. الأمر أكثر توترًا من ذلك، وأقل مركزية عن ذي قبل». (يتحدث الكاتب عن فيديوهات المستوطنين، مثل فيديو يعقوب في بيت آل الكرد).

سمح هذا التوتر للأصوات الفلسطينية وقصصها أن تظهر من قلب الأزمة مضعفة احتكار الحكومة الإسرائيلية للخطاب الإعلامي. وهذا سلاح لا يريد الفلسطينيون أن يخسروه.

«نحن المستضعفون. وسائل التواصل الاجتماعي – وفيديوهاتنا وتصويرنا – هم الوسائل الوحيدة في جعبتنا. لديهم الأسلحة والقوانين والبنى التحتية. كل ما يريده الفلسطينيون هو الفرصة لأن يشرحوا للعالم ما يحصل على أرضهم ووضعه في سياقه العام»، هكذا صرحت إيناس عبد الرازق، مدير المناصرة في معهد فلسطين للدبلوماسية العامة.


يفوز الفلسطينيون بالحرب الإلكترونية ضد إسرائيل

سمح نشاط محمد الكرد وفعاليته السياسية عبر الإنترنت له أن يتحول إلى شخصية معروفة وعامة في وقت قياسي. يقطن مُحمد وعائلته في مدينة القدس، في حي الشيخ جراح المُهدد بالتهجير من المؤسسات الاستيطانية الإسرائيلية اليمينية. استخدم الشاعر الكُرد كلماته ومنصة الانستغرام ليشرح قصته وقضيته وليوضح للعالم ما يعنيه أن تعيش تحت الاحتلال، وتكلم باستفاضة عن منطقة حي الشيخ جراح وما تعانيه.

والآن صارت كل المؤسسات الإخبارية حول العالم تطلب منه أن يخرج في لقاءات تلفزيونية وتوفر له المنصة ليتحدث وليشرح قضيته وقضية الفلسطينيين بشكل أوسع.

«الأمر ليسَ إخلاءَ طرف بل تهجير قسريّ لنكون دقيقين. إخلاء الطرف ينطوي على سلطة قانونية وقضائية»، هكذا تكلم محمد مع قناة السي إن إن في ذروة الأزمة، واصفًا محاولات طرده وعائلته من منزلهم في منطقة الشيخ جراح. «وذلك لأن الاحتلال الإسرائيلي لا يملك أي سلطة قضائية أو شرعية على الأطراف الشرقية لمدينة القدس المحتلة حسب القانون الدولي، كما يتطلب حضور مالك الأرض». وبعد يوم من هذه المقابلة، اعتقلت قوات الاحتلال محمد الكرد، ونقلته من حي الشيخ الجراح، وقد جرى تصوير هذا المشهد ونشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

لربما تكون ضغينة «إسرائيل» نابعة من حقيقة أن الكرد[1] نجح في تصدير الموقف الفلسطيني عبر استخدام قضية حساسة في وسائل الإعلام الأميركية، والتي تسمع وتنشر في العادة عن الإسرائيليين أكثر من الفلسطينيين.

وبالتوازي مع ما يحصل في حي الشيخ جرّاح، واصل الفلسطينيون في غزّة تحميل ونشر الفيديوهات على موقع تيك توك عارضين للعالم القصف الواقع عليهم. إحدى الفيديوهات المنشورة في تلك الفترة حقق 4 مليون إعجاب، ويُظهر الفيديو مجموعة من الفلسطينيين الهاربين في بعد قصف جويّ على المَدينة. إحدى الفيديوهات الأكثر رواجًا أيضًا كانت تظهر أطفالًا يبكون وتدميرًا لإحدى المباني السكنية المرتفعة بغارة جوية إسرائيلية.

@muslim

AIRSTRIKES IN GAZA THIRTY MINUTES AGO @ 3:30AM #muslim #muslimtiktok #savesheikhjarrah #gaza

♬ original sound – Muslim

ولم تكن صور المأساة والمعاناة هي التي انتشرت فقط عبر التيكتوك الفلسطيني، إذ لجأت مجموعة من المدونين في مجال المكياج والتجميل مثل، مريم بيوتي Miryam Beauty، إلى نشر فيديوهات لأنفسهم وهم يرسمون على وجوههم العلم الفلسطيني في محاولة منهم لإظهار تضامنهم ودعمهم للقضية دون التلفظ بأية كلمة.

تسمح هذه الفيديوهات للفلسطينيين الذين يقاتلون الشرطة الإسرائيلية في القدس الشرقية والذين يقاومون الهجمات الإسرائيلية في غزة والذين يتابعون الصراع (العدوان) من بعيد أن يتكلموا جميعًا بصوت واحد. تقول فطافطة: «لقد استيقظت المشاعر الفلسطينيين وتوحَّدت. لقد وُلِد شعور جديد بالهوية وبالتفاهم والتضامن مع الفلسطينيين».

وأخبرني توماس زيتزوف من الجامعة الأميركية بوجود سبب آخر لنجاح الفلسطينيين عبر الإنترنت، وهو أن مشكلتهم مع عنف الدولة ذكّر العديد من الأميركيين بحراك حياة السود مُهمة، وهو ما دعا التقدميين في الكونغرس مثلًا ليربطوا ما رأوه صراحةً عبر الإنترنت مع حربهم لإيجاد نظام عدالة عرقية لديهم.

وكتب السيناتور بيرني ساندرز في صحيفة نيو يورك تايمز: «علينا أن نعترف بأن حقوق الفلسطينيين مُهمة وبأن حياة الفلسطينيين مُهمّة»[2].

ولم يتوقف الأمر هنا، بل إن كثير من المشاهير الذين يلجؤون عادة إلى تجنب القضايا السياسية، تدخلوا وكتبوا عن الموضوع، وأهم من شارك الفلسطينيين همومهم في هذا الحملة كانتا من أشهر عارضات الأزياء في أميركا وابنتا الثري الفلسطيني محمد حديد (بيلا حديد وجيجي حديد). نشرت جيجي أكثر من مرة على حسابها صاحب الـ 66 مليون متابع في وقت العدوان على غزة، وقالت: «لا يمكنكم انتقاء أي حيوات تهم أكثر من غيرها».

هذا التدخل من المشاهير في السياسة أَعلى من الأصوات الفلسطينية وجعل قضيتهم قضية رأي عام. وقد نشر حساب @diet_prada الأميركي والمتخصص بالأزياء مقطعًا كرتونيًا طالبًا من متابعيه (3 مليون) أن يقفوا مع المقموعين، وطلب منهم أن ينادوا الإسرائيليين بالـ «مُضطهِدِين».

ومما لا شك فيه، كان على كل ما حصل أعلاه أن يتنافس مع المحتوى المؤيد لـ «إسرائيل» على منصات التواصل الاجتماعي. والغريب أن «إسرائيل»، وعبر حساباتها الحكومية الرسمية، عند محاولة جعل الحوار حول رواية الجانب الإسرائيلي، فهي تقوم بعكس ما ترغب بهِ.


ضعف «إسرائيل» في موقع التواصل الاجتماعي

لدى «إسرائيل» حسابًا رسميًا على تويتر وإنستغرام وغيرها من المنصات، ويتابعها ملايين الناس من كل العالم، وهو ما يفترض أن يجعل وصولها إلى الجماهير سهلًا، ولكن في هذه المرّة، لمن يكن الأمر لصالحها.

هنا مثلًا سلسلة من التغريدات التي نشرها حساب «إسرائيل» الموثَّق، إذ نشروا 12 تغريدة لا يوجد بها محتوى إلا إيموجي صاروخ مُتكرر. وعند وصولك إلى نهاية السلسلة، سترى أن هذ الإيموجي كان إشارة إلى كل الصواريخ التي أطلقتها «حماس» باتجاه «إسرائيل»، مُهددة وموقعة قتلى في صفوف «المدنيين».

ولكن، وفي خضّم العدوان على غزّة، شهد القطاع قصفًا جويًا إسرائيليًا ساحقًا، وعليهِ، فحين نشر الحساب الرسمي لـ «إسرائيل» هذه الصفوف الطويلة من الصواريخ، جعلها تبدو وللوهلة الأولى محاكاة لقصف الطائرات الحربية على غزّة، وهو ما أوصل رسالة خاطئة وعكس ما ترغب بهِ «إسرائيل». خصوصًا على مواقع التواصل الاجتماعي. الانطباع الأول مُهم، وعلى كل الناشرين أن يعرفوا أن أغلب الناس لا يكلفون نفسهم عناء قراءة التغريدات إلى آخرها.

وأيضًا كان اعتراض الكثير من الناس على تغريدة دولة «إسرائيل» لأنها تركز فقط على «حماس»، مُخرجة الأمر من سياقهِ. وردّ كثير من الناس بطرق مُشابهة.

لم تكن هذه أول ولا آخر مرة تتجاوز فيها الحسابات الإسرائيلية الخطوط الحمراء

في منشور على الحساب الرسمي لقوات الدفاع الإسرائيلي (قوات الاحتلال الإسرائيل) على موقع إنستغرام، ظهرت صُورتين لبناية في غزّة. كانت الأولى مكتوب عليها «قبل» باللغة العبرية بينما كانت البناية واقفة، والصورة الثانية كان مكتوب عليها «بعد»، وأظهرت دمار البناية وحطامها. أما التعليق على الصُورة من الحساب الرسمي فكان «إنجازات مُهمة» مُشيرًا إلى تدمير مبنى آخر متعدد الطوابق، تحت ادعاء أنه كان يستخدم لأغراض «إرهابية».

وعلى الرغم من أن كثير من الناس تفاعلوا إعجابًا بالمنشور، إلا أن آخرون تقززوا من نبرة التفاخر في الهدم. حيث كتب أحد المُستخدمين «في كل مرة أعتقد أن ثمة حد للمتعة التي قد يشعر بها أحدهم بالمعاناة البشرية، يُخيب مدير حساب قوات الدفاع الإسرائيلي أملي».

وفي عز احتدام المعركة، نشرت الممثلة الإسرائيلية غال غادوت والشهيرة بأدائها لدور «ووندر وومان» على تويتر قائلة: «تستحق إسرائيل أن تعيش دولة حرة وآمنة، وجيراننا كذلك». وأوقفت غادوت التعليقات على تغريدها بعد النقد الشديد الذي تعرضت له، خصوصًا نظرًا لتعليقات الكثيرين بأنّ الجندية السابقة في الجيش الإسرائيلي تنشر البروباغندا لصالح دولتها. كان تعليقها الحالي عاديًا ومحسوبًا مقارنة بالتعليق الذي نشرته إبّان حرب 2014 على غزّة.

تعليق الممثلة الإسرائيلية غال غادوت – مايو/أيار 2021

إذ كتبت على صفحتها الرسمية على فيسبوك في ذلك الوقت: «أرسل برقيات حبي ودعواتي إلى رفاقي المواطنين الإسرائيليين خاصة للفتيان والفتيات الذين يخاطرون بحياتهم لحماية بلدي ضد هجمات حماس المروعة، والتي تختبئُ مثل الجبناء خلف النساء والأطفال».

ولهذا السبب وعندما يشارك المشاهير أو عندما تنشر الحسابات الرسمية بنهج أكثر وضوحًا محاولين إظهار محنة المواطنين الإسرائيليين الذين يعيشون تحت الهجوم الصاروخي المستمر من حماس ، فإن النتائج غالبًا ما تفشل في إثارة نفس المستوى من التعاطف والغضب وذلك نظرًا للقدرات الإسرائيلية العسكرية الهجومية والدفاعية الساحقة الماحقة، بما في ذلك نظام القبة الحديدية القوي، الذي يعترض نسبة كبيرة (وإن لم يكن كلها) من الصواريخ التي تطلقها حماس (المقاومة الفلسطينية)، وهو ما يخلق تباينًا كبيرًا في عدد القتلى والجرحى عند الفلسطينيين من جهة وعند «إسرائيل» من جهة أخرى. في وقت نشر هذه المقالة (20/05/2021)، كان عدد القتلى الفلسطينيين حوالي 200 في حين وصل عدد القتلى الإسرائيليين إلى 10 فقط.

غالبًا ما تعاني حسابات التواصل الاجتماعي الرسمية للحكومات في كل مكان لتظهر على أنها حسابات حقيقية أو فكاهية أو أي أمر آخر غير أنها منصات دعاية صارمة ومنهجيّة. لكن عندما تكون أنت القوة المحتلة وصاحب الجيش القوي المتفوق في وسط حرب دامية حيث يقع الجزء الأكبر من الضحايا في الجانب الآخر، فسيكون صعبًا عليك أن تروج لنفسك على أنك «الجانب الجيد»، حتى لو كنت تعاني.

تعمل «إسرائيل» بشكل أفضل للوصول إلى مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي الغربيين والناطقين بالإنجليزية أفضل مما تفعله حماس[3]. يقول فيليب سميث، زميل سوريف في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في واشنطن العاصمة، إن حماس لا تستهدف هذا الجمهور عبر الإنترنت، وأوضح: «جهودهم الإعلامية موجَّهة داخليًا»، على الرغم من أن الحركة تصنع أحيانًا مقاطع فيديو للسخرية من «إسرائيل». «يُوجد تيار دعائي مستمر تديره حماس».

وبناءً على هذا، لا تصل جهود وسائل التواصل الاجتماعي التي تبذلها حماس إلى بعض الفلسطينيين حتّى، وهو ما قالته دانا الكرد، الأستاذة المساعدة في معهد الدوحة للدراسات العليا في قطر: «لا أرى أن حماس تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بشكل فعال لأنها لا تصلني، على الرغم من انخراطي الشديد بالقضية».

وكما نرى، وعلى الرغم من الضعف الإعلامي لحماس، فإن «إسرائيل» تعاني وتكافح الآن للتغلب على الفلسطينيين غير المركزيين على منصات التواصل الاجتماعي.

ولهذا السبت نفسه يعتقد قلة من الخبراء أن محاولات «إسرائيل» للتأثير على السردية لصالحهم ستكون أكثر فعالية وتأثيرًا مما يفعله الفلسطينيون عبر الإنترنت. قال غابرييل ويمان، أستاذ الاتصالات في جامعة حيفا في مقابلة مع البي بي سي: «الحرب الإعلامية ليست متساوية، إذ نرى تدفقًا مضادًا من الجانب الإسرائيلي، ولكنه أقل قوة وغير منظّم على الإطلاق، وإذا أردت أن أدلو بدلوي، فسأقول بأنه أقل إقناعًا حتّى. رُبَّما لأن إسرائيل لم تُفكِر يومًا بأن التيك توك سيكون منصة قوية ومُهمّة».

أجمع كثير من الخبراء على أن عام 2021 هو العام الذي أثبت فيه الفلسطينيون قدرتهم على منافسة حكومة «إسرائيل»في معركة السرديات. وإذا ذاق الفلسطينيون طعم النصر، فهو ليس الطعم الذي يرجونه.


ظهور المواطن الفلسطيني على السوشيال ميديا يُقابله الظهور الإسرائيلي

بينما يمكن للفلسطينيين استخدام منصات التواصل الاجتماعي لصالحهم، يمكن للإسرائيليين العاديين (يستخدم الكاتب كلمة العاديين ليفصل بين الجنود الإسرائيليين والإسرائيليين في المُدن والقرى) استخدام وسائل التواصل الاجتماعي أيضًا، وهذا ليس جيدًا دائمًا للحركة الفلسطينية.

باستخدام فيسبوك وتيليغرام، ورد أن حشود من اليهود الإسرائيليين نظموا حملات عنفٍ منظمة ضد فلسطينيي الداخل، ونجحت بعض الجماعات، بما في ذلك حشد من الغوغاء بتخريب ممتلكات عربية في مدينة بات يام (مدينة تقع في تل أبيب) بعد ضربهم لسائقٍ عربي. وقال المراسل الذي كان يتابع المشهد وعبر الكاميرا: “نحن نشاهد أمامنا إعدامًا خارج نطاق القانون. لا توجد شرطة هنا».

ومن الجانب الآخر وجدت حوادث كثيرة لاستهداف فلسطينيي الداخل للإسرائيليين في مدن متعددة (باعتبارهم جزء من الحركة الفلسطينية على كامل تراب فلسطين)، بما في ذلك ضربهم لرجل ثلاثيني في عكا وهو الآن في حالة حرجة (نرى تركيز الكاتب على صياغة الخطاب مُظهرًا أن هجوم الإسرائيليين كان ضد الممتلكات وأنهم ضربوا فقط رجلًا في الشارع، ولكن في حديثه عن أفعال الفلسطينيين، فهو يذكر أن حالة الإسرائيلي حرجة في المستشفى، وهو ما يظهر غيابًا تامًا للحيادية في محاولة استجداء العواطف لجانب على حساب آخر).

يُظهر ما حدث مدى الانقسامات الداخلية أيضًا في المُجتمع الإسرائيلي.


توجد أيضًا مشكلة في المعلومات الخاطئة

شارك مسؤولون وشخصيات إسرائيلية بارزة، بما في ذلك المتحدث باسم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، مقطع فيديو مدته 28 ثانية على تويتر وزعموا أنه يظهر مسلحين فلسطينيين يطلقون صواريخ على إسرائيليين من منطقة مدنية، ولكن هذا الفيديو كان في الواقع من 2018، لمسلحين من سوريا أو ليبيا، ولم يكن من غزّة.

ومع ذلك، قال أرييه كوفلر، المحلل السياسي المقيم في إسرائيل والذي يدرس المعلومات المضللة، أنه غير متأكد من أن القادة الإسرائيليين يقومون عمدًا بتضليل جمهورهم. قال إن الجميع مشغولون جدًا بحيث لا يمكنهم التحقق من صحة مقاطع الفيديو التي يشاركونها. ثمة حرب مستعرة. علاوة على ذلك، غالبًا ما يشارك الأشخاص مقاطع الفيديو التي تمثل بالنسبة لهم حقيقة يؤمنون بها.

حاكى كوفلر هذه الخط من الأفكار ساخرًا: «ربما لا تطلق حماس صواريخ من داخل مركز سكاني مزدحم، لكن يبدو أنه شيء سيفعلونه، لذا سأشارك الفيديو على أي حال». (وهو ما يُظهر التواطؤ في تبرير قتل الفلسطيني فقط لأنه يخدم السردية الإسرائيلية).

لا يعتقد كوفلر أيضًا أن مشكلة المعلومات المضللة سيئة بقدر ما يتم تصويرها. فهو يدير مجموعة على فيسبوك مكونة من 90 ألف شخص تسمى “القدس السريَّة” حيث يمكن للسكان والسياح نشر تفاصيل عن المدينة. قال كوفلر إنه نادرًا ما يضطر إلى إزالة المعلومات الخاطئة من صفحته المتعلقة بالصراع، مشيرًا إلى أنه كان نشطًا أكثر في فترة نشر الأعضاء معلومات ضد التطعيم خلال الجائحة.

حقيقة أن المواطنين الإسرائيليين يمكنهم تنسيق حملات العنف ضد الفلسطينيين ومشاركة وجهات نظرهم الخاصة ونشر المعلومات المضللة، تبقى على أنها تحدٍ يواجه الفلسطينيين في معركتهم لنشر سرديتهم عبر الإنترنت.

ولا ننسى أن كثير من المنشورات من الحسابات غير الحكومية المؤيدة لـ «إسرائيل» يمكن أن تكون مقنعة للغاية. إذ تزعم إحدى صور تيك توك المنتشرة واللافتة أن جنديًا إسرائيليًا يحمي امرأة فلسطينية من الحجارة التي رشقها فلسطينيون آخرون في مدينة الخليل بالضفة الغربية (صُورة مضللة).

يرى معظم الخبراء بترجيح استمرار خسارة «إسرائيل» لحرب السرديات. يقول بروكينغ، زميل المجلس الأطلسي: «بيئة المعلومات الأكثر تعقيدًا هذه ستلحق الضرر بإسرائيل».

بطبيعة الحال، فإن انتصار السردية الفلسطينية غير ذي قيمة إذا لم يمنع القنابل الإسرائيلية من السقوط على رؤوس الفلسطينيين. (بل له قيمة على المدى البعيد).


[1]  بل من حقيقة أنه فلسطينيّ، ووجوده المحض يزعج سلطات الاحتلال ويزرع الضغينة في نفوسهم.

[2]  في الوقت نفسه، علينا أن نعي أن معركة الفلسطينيين مع الاحتلال هي معركة ضد استعمار استيطاني وتختلف عن حركة حياة السود مُهمّة والتي تحاول انتزاع حقوق السود في نظام هم جزء منه. أما ما يفعله الفلسطينيون فهو يندرج تحت حركات التحرر التي تحاول أن تجد استقلالها على أراضيها ضد مستعمر دخيل.  

[3] يحاول كاتب المقالة أن يُعيد الأنظار إلى حماس، وذلك في محاولة منه لإظهار أن الحرب بين طرفين وليست ضد الكل الفلسطيني.


المرجع: مقالة ڨوكس

أضِف تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s