المدينة الوحيدة: مغامرات في فن الوحدة


نمر كلنا في لحظاتٍ نشعر فيها بوحدة تامّة، وحدة قاتلة، كأننا سلحفاء صغيرة في واجهة مدٍ عظيم، وهذا الشعور يتضخم في داخل المدينة، خصوصًا لشخصٍ مثلي عاش أغلب حياته في قرية زراعية صغيرة هادئة، ولم يعهد سرعة الحياة كما يعهدها الآن. ومثل كاتبة المقالة، حاولت أن أجد عزائي فيما أشعر به عبر القراءة لقديسي الوحدة، عبر القراءة لپول أوستر مرة أخرى وروايته اختراع العزلة، أن اقرأ لهمنغواي وإدغار آلن بو، أن أقرأ القصص والمقالات، علّي أجد فيها ترياقًا يعينني على عدّ الأيام، وللمفارقة، كانت الترياق في الترجمة، وصحيح أنه ليس إكسيرًا يشفي، إلا أنه يعالج، ويمنحني العزاء للاستمرار وأنا سعيدُ إلى حدٍ ما. أترككم مع هذه المقالة من ترجمتي والتي تتحدث عن فن أن تكون وحيدًا.


«تولد وحيدًا وتموت وحيدًا. والقيمة في المساحة بينهما تكمن في الثقةِ والحُب». هذا ما كتبه الفنَّان لويس بورخيس في مذكراته بعد حياة طويلة ورائعة بينما كان يفكر في الكيفية التي تثري فيها العزلة العمل الإبداعي. تنطوي المقولة على عاطفة لطيفة، ولكن بقدر ما تؤثر هذه المقولة في الفنانين الراغبين في اعتناق العُزلة، فإنها بالقدر ذاته تصنع حياة وحيدة عند من تحيل المسافة بين الثقة والحب لديهم إلى سجن خانق. لأنّ العزلة، وحسب كلمات ويندل بيري الخالدة، تجعل «صوتنا الداخلي مسموعًا، ويتجاوب المرء فيها مع حيوات الآخرين بوضوح أعلى»، أما في الوحِدة، فتصير صرخات المرء صامّة للآذان، وقاتلةً، وتقطع العلاقة بينه وبين حيوات الآخرين.

كيف يمكننا التحرر من هذا السجن؟ وكيف يمكننا إعادة استيطان تلك المسافة بين الثقة والحب؟ تستكشف أوليڨيا لاينگ الإجابة على هذه الأسئلة في كتابها الفريد «المدينة الوحيدة: مغامرات في فن الوِحدة»، والذي يعد أكثر من مجرد مذكرات، ويمكننا وضع قيمته الأدبية بين مذكرات هيلين مكدونالد «ص صقر» ومذكرات ڨيرچينيا وولف. تقدم لنا لاينگ سردًا شاعريًا لمرحلة الهجرة الذاتية في حياتها على المستويين، الجسدي والنفسي، وترسم لنا صورة حيميمة للوحدة بوصفها «مكانًا مأهولًا: مدينة في حد ذاتها».

Diagram

Description automatically generated

هجرت أوليڨيا لاينگ بلدها الأصلي إنگلترا بعد انهيار علاقة رومانسية كانت سعيدة للغاية، وحملت بعدها قلبها المفطور واتجهت إلى نيويورك، إلى «الجزيرة العاجّة باللمعان والخرسانة والزجاج»، وشعرت هُناك بوحدة وصلت حد النخاع، وحدة شلّت قوتها واستهلكتها بالكامل، وعلى سبيل المفارقة، رأت لاينگ في ذلك دعوة غريبة للحياة. كان خيارها لترك موطنها والتجول في مدينة غريبة بحد ذاته مجازًا للطبيعة التناقضية للوحدة، وتمثل هذا المجاز بالقلق والذهول، وفي قدرته على تحويل المرء إلى متشردٍ طوعي وزاهد مشلول في الوقت نفسه، ولكن هذه الوحدة صارت أيضًا مختبرًا أحيانًا لاكتشاف الذات. تشير لاينگ إلى أن سجن الوحدة قد «يدفع بالمرء للتفكير في أكبر الأسئلة عن ماهيّة الحياة».

تكتبُ لاينگ:

«بعض الأمور تمكنت منّي، ليس لأني أعيش وحدي، بل لأني أعيش في هذا القرن، هذا العصر الُمفتت. ماذا يعني أن تكون وحيدًا؟ كيف نعيش إذا لم نتصل عن قرب بإنسان آخر؟ كيف نتواصل مع باقي البشر، خصوصًا لو لم يكن التحدث إليهم سهلًا؟ هل نجد في الجنس علاجًا للوحدة، ولو كان الأمر كذلك، ماذا سيحصل لو اُعتبرت أجسادنا وجنسانيتنا منحرفة أو مُدمّرة؟ ماذا سيحصل لو ضربنا المرض ولم يسعدنا الجمال؟ هل تساعدنا التكنولوجيا في هذه الإشكاليات؟ هل تقربنا من بعض البعض أم تحاصرنا خلف شاشتنا؟»

بينما طحنها هذا الكرب العاطفي، حاولت لاينگ أن تجد العزاء عند قديسي الوحدة الكبار للثقافة الإبداعية في القرن العشرين. من نخبة الوحدة المنتقاة هذه، بمن فيهم چان ميشيل باسكيات وألفريد هيتشكوك وپيتر هوچار وبيلي هوليداي ونان گولدين، اختارت لاينگ أربعة فنانين مرافقين لها والذين ساعدوها على رسم التضاريس المجهولة للوحدة: إدوارد هوپر وآندي وارهول وهنري دارچر وداڨيد ويناروڨيتش، والذين «تحاربوا في أعمالهم وفي حياتهم الشخصية مع الوحدة والقضايا المُصاحبة لها».

وحسب وجهة نظرها، فإن لاينگ كانت قد تجاهلت وارهول على سبيل المثال إلى أن غرقت في وحدتها. («لقد رأيت صور الأبقار وصور ماو تسي المطبوعة آلاف المرات قبلًا، وفكرت في نفسي بأنها لوحات تافهة وفارغة، ولم أعطها أي اهتمام كما نفعل كثيرًا مع الأمور التي ننظر إليها، ولكن نفشل في رؤيتها.”).

تكتب لاينگ:

«يراقب فن وارهول المساحة بين الناس، ويخوض في استقصاء فلسفي للقرب والمسافة والحميمية والاغتراب. ومثله مثل كثير من الناس الوحيدين، كان مكتنزًا عنيدًا ويحوط نفسه بالأشياء والحواجز التي تبعد عنه الحميمية البشرية. ولخوفهِ من التواصل الفيزيائي مع باقي البشر، كان نادرًا ما يغادر منزله دون عدته من الكاميرات ومسجلات الصوت والتي استخدمها للتوسط عنه في التفاعلات الإنسانية وتخزينها: وهو سلوكٍ يسلط الضوء على الطريقة التي نستخدم فيها التكنولوجيا في عصرنا، الذي نسميه عصر التواصل، زعمًا».

 حِيكت تجربة لاينگ الشخصية بتساؤلات حول طبيعة وسياق وخلفية حياة الفنانين الأربعة وأعمالهم الأكثر انشغالًا بالوحدة. وكما يعتبر ظلمًا بحق لاينگ أن نقول عن أفضل أعمالها «مذكرات»، فسيكون ظلمًا بحق من بحثت فيهِم «تاريخ الفن»، لأنهم على العكس من ذلك تمامًا «حاضر الفن» وقدموا لنا تأملات أنيقة وساحرة ليرونا كيف يمكن للفن أن يكون حاضرًا معنا، وكيف يدعونا لنكون حاضرين مع أنفسنا وليكون شاهدًا على ذلك الحضور، مما يخفف من شعورنا بالوحدة.

تستكشف لاينگ الشكل الخاص المنتشر للوحدة بعين مدينة تُبقي البشر في دوامتها:

«تخيل نفسك واقفًا بجانب نافذتك ليلًا من فوق الطابق السادس أو السابع عشر أو الثالث والأربعين من المبنى. تكشف المدينة عن نفسها وكأنها مجموعة من الزنازين، مئة ألف نافذة، بعضها مظلم وبعض الآخر يضيء بالأخضر أو بالأبيض أو بالذهبي. وبداخل هذه النوافذ أشخاص غريبون يسبحون ذهابًا وإيابًا ويقضون حوائجهم الشخصية. بإمكانك رؤيتهم، ولكن لا يمكنك الوصول إليهم، وبالتالي، فإن هذه الظاهرة الحضرية، الموجودة في أي مدينة في العالم وفي أي ليلة، تجعل حتى أكثر الأشخاص اجتماعية مهزوزًا من الوحدة، وهذا لتعرضه لمزيج غير مريح من الانفصال والانكشاف في الآن نفسه.

يمكنك أن تكون وحيدًا في أي مكان، ولكن للوحدة في المدينة، وعندما تكون محاطًا بملايين البشر، نكهة خاصة. قد يعتقد المرء أن هذه الحالة مناقضة للحياة الحضرية وللوجود الجماعي للبشر الآخرين، ومع ذلك فإن مجرد القرب المادي لا يكفي لتبديد الشعور بالانعزال الداخلي. من المحتمل، والسهل حتى، أن يشعر المرء بالوحشة وأنه مهجور في نفسه في أثناء عيشه متلاصقًا مع الآخرين. المدن أماكن وحيدة، وبعد الإقرار بهذا نرى أن الشعور بالوحدة لا يتطلب بالضرورة عزلة جسدية، بل غياب وفرة التواصل والقرب والعائلة: أو عجز المرء في العثور على القدر المطلوب من الحميمية. حسب المعجم [الإنجليزي] فإن الحزن/التعاسةUnhappiness  يُعرّف: أن تكون دون رفقة أناس آخرين. لا غرو إذًا أننا نصل إلى ذروة حزننا ونحن في غمرة حشودٍ من البشر».

وفي الوقت الذي يسعى فيه العلماء جاهدين للكشف عن الآثار الفيزيولوجية للوحدة، ليس مفاجئًا أن هذه الحالة النفسية تتأتى مع آثار جسدية، وتكتب لاينگ عن ذلك بكلمات واضحة وآسرة:

«ماذا يعني أن نشعر بالحزن؟ يعني أن تشعر أنك جائع: أن تشعر بالجوع وكل الناس من حولك جاهزين للأكل. تشعر بالعار واليقظة، ومع مرور الوقت، تبدأ هذه المشاعر بالظهور عليك، وتزيد من انعزال الشخص الوحيد وتغربه. ثمة ألم عاطفي هنا، ولكن للأمر تبعات على مستوى الجسد أيضًا والتي تحدث في الخفاء، في داخل الغرف المغلقة لهذا الجسد. يتفاقم الأمر، وتصير وحدتك متجمدة مثل الثلج وواضحة مثل الزجاج. تجد نفسك مُحاصَرًا ومُبتلعًا».

يوجد فرق شاسع بين العُزلة والوحدة: مفهومان داخليان مختلفان جذريًا لهما نفس الظرف الخارجي المتمثل في غياب الرفقة. فنحن نتحدث عن «العزلة الخصبة»، باعتبارها إنجازًا تنمويًا أساسيًا لتحقيق مقدرتنا الإبداعية. ولكن الوحدة عقيمة ومُدمِّرة، وتحفز لا مبالاة الشخص وانعدام إرادته للإبداع. والأسوأ من ذلك، أن الوحدة تعني فشلًا وجوديًا، وتشير إلى وصمة اجتماعية، وتتناول لاينگ هذه الفروق الدقيقة بطريقة ساحرة:

«يصعب الاعتراف بالوحدة، ويصعب تصنيفها أيضًا. مثلها مثل الاكتئاب، حيث تتقاطع معه في أغلب الأحيان، وتصير غائرة في عمق تركيب المرء، كأن يكون المرء سهل الإضحاك أو أن له شعر أحمر. وقد تكون الوحدة عابرة، تجيء وتذهب كردة فعل للظروف الخارجية، مثل الوحدة بعد الثكل أو بعد الانفصال العاطفي أو عند تغييرنا لدوائرنا الاجتماعية.

ومثلها مثل الاكتئاب، ومثل الحزن والتعب، تخضع الوحدة للتشخيص المرضي، وقد تعتبر مرضًا. قِيل بشكل قاطع قبلًا  أن لا هدف يرجى أو يكمن في الوحدة… قد أكون مُخطئة، ولكن لا يمكنني تصور أي جزء من تجربتنا المعاشة مفرغٌ من المعنى والثراء والقيمة بأي شكل من الأشكال».

وبتأملٍ مُستبصر لما كتبته ڨيرچينيا وولف في مذكراتها التي لا تنسى عن الوحدة والإبداع، تكتب لاينگ:

«قد تأخذك الوحدة باتجاه تجربة للواقع لم تكن لتصل إليها بدونها».

وحيدةً وعلى غير هدى في المدينة التي تَعِدُ قاطنيها بـ «هبة الخصوصية وبهجة المُشاركة»، انتقلت لاينگ بين مجموعة من المنازل المؤقتة، والإيجارات الفرعية ومنازل الأصدقاء واستئجار المساحات، والتي بمجملها ضخمت من إحساسها بالغربة والهامشية، لأنها كانت مجبرة على «العيش في وسط حاجيات الآخرين، في بيت لشخصٍ آخر كان قد بناه منذ فترة طويلة».

ولكن هنا أيضًا نلحظ استعارة واضحة للحياة نفسها، فنحن في النهاية نستأجر وجودنا كله من المدينة والمجتمع والعالم الموجودين قبلنا بكثير، والمنظمين بطريقة قد لا تكون ملائمة لخياراتنا، والمرسومين والمصممين داخليًا بطريقة تختلف عمّا كنا لنفعله لو أننا بنينا كل شيء من نقطة الصفر. إلا أننا نضطر للتأقلم مع ماهية الأمور، حتى لو لم تكن مُرضية، أو لو كانت قبيحة. صارت حياتنا مرتبطة بمقدرتنا على تأجير المؤجَّر، ومرتبطة بمقدرتنا على الاستقرار في هذا المنزل المُستعار والناقص، ومرتبطة بمقدار الجمال الذي يمكننا أن نضيفه لوجودنا دون أن نملك الحد الأدنى من التحكم في تصميمه.

ربما هذا هو سبب إيجاد لاينگ للراحة في الوحدة، وإن كانت مؤقتة، في النشاط المصاحب لمغادرتها المنازل المستعارة: في المشي. وفي فقرة التالية تذكرنا بما كتبه روبرت ڨالسر[1] واصفًا المشي بأنه غذاء الروح، حيث كتبت لاينگ:

«في ظروف مُعينة، كان وجودي بالخارج، دون انتماء، مصدرًا لرضاي ولمتعتي. توجد أنواع  من العزلة توفر للمرء راحة من الوحدة، أو على الأقل إجازة، استراحة مُحارب، أو حتى علاجًا. بينما كنت أمشي في بعض الأوقات متجولة تحت دعامات جسر ويليامزبيرگ أو إلى جانب تيار النهر الشرقي وصولًا إلى الهيكل الفضّي لمقر الأمم المتحدة، كنت أنسى حزني على نفسي، كنت أتسامى، وأصير دون كثافة أو حدود، مثل الضباب، أجول المدينة مستمعةً بتياراتها».

ولكن بغض النظر عن مظهر الصلابة الداخلية الذي تهدينا إياه هذه الهروبات التجوالية عبر العزلة ، إلا إنها صلابة هشة:

«لم يراودني هذا الشعور وأنا في شقتي، وإنما وأنا في الخارج فقط وغارقةً إما في وحدتي أو في الحشود. شعرت في تلك اللحظات بالتحرر من وزن الوحدة المتواصل ومن إحساسي المتواصل بالظلم ومن انفعالاتي المرتبطة بوصمة الواحدة والحكم عليها، وبالتحرر من رغبتي في الظهور. ولكن لم يستغرق الأمر كثير من الوقت ليحطم هذا الوهم بنسيان الذات بين البشر، ولم أعد بعد يقظتي إلى نفسي فقط بل إلى إحساس الافتقار، المألوف لديّ».

في المسافة بين نسيان الذات واكتشافها وجدت لاينگ نفسها مشدودة إلى الفنانين الذين صاروا رفاقها في رحلتها إلى وبعيدًا عن الوحدة. كتبت لاينگ عن لوحة إدوارد هوپر الأيقونية والمتوهجة بلون اليشم الغريب والرهيب:

«لا لون في الوجود يعبر بقوة عن الاغتراب الحضري وعن تفكك البشر داخل الصروح التي ينشئونها مثل هذا اللون الأخضر الشاحب والمثير للاستياء، والذي صار موجودًا مع اختراع الكهرباء، وصار مقترنًا لاحقًا بالحياة الليلية للمدينة، مدينة الأبراج الزجاجية بمكاتبها الفارغة والمُنارة ولافتات النيون البارزة.

[…]

كان المطعم ملجأ بلا منازعٍ، ولكنه بدون مدخل واضح، ولا طريقة للدخول له أو الخروج منه. ونلاحظ وجود باب كرتوني بلون صبغة المُغْرَة الصفراء في خلفية اللوحة، يؤدي ربما إلى مطبخٍ وسخ. أما من جهة الطريق، فكانت الغرفة مغلقة: حوض أسماكٍ حضري، زنزانة زجاجية.

[…]

أخضر على أخضر، وزجاج على زجاج. مزاج يطول أكثر كلما تسكعت أكثر، مولِّدًا القلق».

كان هوپر نفسه يختلف مع التفسير الشائع أبن الوحدة كانت موضوعًا مركزيًا في عمله. وعلى الرغم من نفيه المتكرر أن ذلك كان خيار إبداعيًا، فإنه قال ذات مرة في مقابلة: «ربما أنا شخصٌ وحيد».  كان كتاب لاينگ بديعًا باهتمامها وحساسيتها لأدق طبقات التجربة، فقد لاحظت كيف أن اختيار هوپر للغة والكلمات يلتقط جوهر الوحدة:

«يا له من تركيب استثنائيّ، “شخصٌ وحيد”. لا يشبه الأمر الاعتراف بالوحدة، بدلًا من ذلك فهو يتحدث باستخدام أداة التنكير المتواضعة «a lonely one»، مشيرًا إلا أن الوحدة بطبيعتها تُقاوِم. وعلى الرغم من أنها تبدو عازلة وأنها عبء فرديّ لا يمكن لأي شخص آخر أن يجربه أو أن يشاركه، إلا أنها في حقيقتها حالة تشاركية، ويسكنها كثير من الناس. وتشير عدد من الدراسات الجديدة إلى أن أكثر من ربع البالغين في أميركا يعانون من الوحدة، بغض النظر عن العرق أو التعليم او الإثنية، وتشير دراسة أخرى إلى أن 45% من البريطانيين البالغين يشعرون بالوحدة في أغلب الوقت أو طوال الوقت. قد يعتبر الزواج والدخل المرتفع رادعين خفيفين في وجه الوحدة، ولكن في الوقع، لدى قليل من البشر مناعة ضد الشعور بالوحدة، ضد الشعور بالحاجة إلى تواصل أكثر مما نجد أنفسنا قادرين على إشباعهِ. لا غرو إذًا في شعبية لوحات هوبر حتى هذه اللحظة وفي إعادة إنتاجها المستمر [في الأشكال الفنية المعاصرة].

بقراءة اعترافه المتردد، يشرع المرء في فهم سبب جاذبية أعماله والعزاء فيها، خصوصًا عند النظر إليها جماعيًا. وصحيح أنها رسم أكثر من مرة الوحدة في المدينة الكبيرة، حيث تُهزم احتمالات التواصل باستمرار على يد الحياة الحضرية غير الإنسانية، ولكن ألم يرسم هو نفسه الوحدة على أنها مدينة كبيرة؟ موضحًا أنها حالة تشاركية وفضاء ديمقراطي مأهول (سواء باختيار الأرواح فيه أو بعدم اختيارهم)؟

[…]

ما يلتقطه هوپر جميل  ومخيف في الآن ذاته. فلوحاته ليست عاطفية، ولكن ثمة اهتمام كبير فيها، كما لو أن الوحدة أمر يستحق النظر إليه والإمعان فيه. كما لو أن في نظر المرء إلى نفسه ترياقًا ووسيلة لهزيمة وكسر تعويذة العزلة الدافعة إلى الغربة والاغتراب».

بالنسبة للفنانين المصاحبين للاينگ في رحلتها، بما في ذلك هنري دارچر، بواب شيكاغو اللامع والمريض عقليًا والذي جعلته لوحاته المكتشفة بعد وفاته واحدًا من أشهر الفنانين الخارجيين[2] في القرن العشرين، وكذلك الفنان الموسوعي المبدع داڨيد ويناروڨيتش، والذي أودى الإيدز بحياته وهو في ثلاثينياته، غالبًا ما يكون الشعور بالوحدة مصحوبًا بآلام عميقة أخرى للنفسية: آلام مثل الفقد. في مقطع يستحضر تصنيف پول گودمان لأنواع الصمت التسعة، تقدم لاينگ تصنيفًا للوحدة من خلال عدسة الفقد:

«الفقد ابن عم الوحدة. يتقاطعان ويتداخلان، ولذلك ليس غريبة أن عملًا فنية للحداد قد يبعث في النفس شعورًا بالوحدة أو الانفصال. الفناء وحيد. الوجود الفيزيائي وحيد بطبيعته، إذ أن الإنسان عالق في جسدٍ يتحرك بحتمية نحو ضعفه وانكماشهِ وهدرهِ وتحطمه. وبعدها تأتي وحدة الثكل، ووحدة الحب الضائع أو الاشتياق إلى شخصٍ أو عددٍ من الأشخاص، ووحدة الحداد».

إلا أن وحدة الفناء هذه تجد ترياقها في العزاء الدائم للأعمال الفنية الخالدة. كتب الفيلسوف آلان دي بوتون ومؤرخ الفن چون أرمسترونگ في بحثهما عن الوظائف النفسية السبع للفن: «في الفن وعدٌ بكمال داخلي»، وإذا كانت الوحدة، حسب وصف لاينگ، «توقٌ إلى الاندماج ولِحسٍّ الشعور بالاكتمال»، فأين يمكننا أن نجد إجابة أفضل لهذا التوق في غير الفن؟ وكما قال چيمس بالدوين في كلماته السَّرمدية: «فقط بإمكان الفنان أن يخبرنا، ولم يخبرنا منذ فجر البشرية إلا الفنانون، عن معنى أن تصل إلى هذه الكوكب وأن تبقى حيًا فيه».

وبالعودة إلى تجربتها، كتبت لاينگ:

«توجد أمور كثيرة يعجز الفن عن فعلها، مثل إعادة الموتى إلى الحياة، وإصلاح الشروخ بين الأصدقاء، وعلاج الإيدز، أو أن يوقف وتيرة التغير المناخي. ولكن له في الوقت نفسه وظائف خارقة، مثل مقدرته على إقامة نوعٍ من التفاوض بين الناس، بين أناسٍ لم يلتقوا يومًا، إلا أنهم يدخلون في حيوات بعضهم ويثرونها. للفن القدرة على خلق الحميمية، وعلاج الجروح. يُخبرنا الفن أيضًا أننا لا تحتاج إلى علاج كل الجروح، وأن بعض الندوب ليست قبيحة. 

إذا بدوت متعنتة، فذلك لأنني أتحدث من تجربة شخصية. عندما أتيت إلى نيويورك كنت ممزقة كل ممزق، وعلى الرغم من أن الأمر يظهر غريبًا، فإن الطريقة التي استعدت بها الإحساس بالكمال لم تكن من خلال مقابلة شخص ما أو عبر الوقوع في الحب، بل من خلال التعامل مع الأشياء التي صنعها الآخرون، واستيعابها ببطء من خلال هذا الاتصال، ومن خلال حقيقة أن الوحدة والشوق لا يعنيان أن المرء قد فشل، بل يعنيان ببساطة أنه على قيد الحياة».

وبقدر ما قد تكون الوحدة شخصية، فإنها لا تنفصل عن الأبعاد السياسية للحياة العامة. في فقرة ختامية تذكرنا لاينگ بدعوة أودري لورد الصارخة لكسر صمتنا ضد الظلم البنيوي:

«يحصل الآن تجديد واستطباق[3] للمدن لرفع مستواها الاجتماعي، ويوجد تجديد واستطباق للمشاعر أيضًا، ويحمل الفعلان نفس التأثير المتجانس والتبييضي والقامع. وفي خضم بريق الرأسمالية المتأخرة، نتغذى الآن على سيل من المعلومات يخبرنا بأن كل المشاعر الصعبة مثل الاكتئاب والقلق والوحدة والغضب تنتج نظرًا لكيمياء غير مستقرة في أدمغتنا، وأن هذه مشكلة يتوجب حلها، بدلًا من النظر إليها على أنها من تبعات الظلم البنيوي، أو أنها تأتي استجابة للنسيج الأصلي لشمولية المدينة، ويشبه الأمر أن يعيش المرء في السجن، أو كما قال داڨيد ويناروڨيتش، يشبه الأمر أن يعيش المرء في جسد مستأجر مع كل ما يصاحب ذلك من حزن وإحباط.

لا أعتقد أن علاج الوحدة يكون باللقاء، ليس بالضرورة. أعتقد أن علاج الوحدة يتمثل في نقطتين: أن يتعلم المرء كيف يصادق نفسه وأن يفهم أن كثيرًا من الأمور التي تبدو أنها تصيبنا أفرادًا تكون في الواقع نتيجة لقوى أكبر منا مثل الشعور بالوصمة وبالإقصاء، وهي مشاعر يمكن ويجب مقاومتها.

الوحدة شخصية، ولكنها أيضًا سياسية. الوحدة حالة جمعية. الوحدة مدينة. وعند الحديث عن السكنى فيها، فلا قوانين لذلك، ولا داعي كذلك للشعور بالخزي، وعلينا أن نتذكر أن السعي وراء السعادة الفردية لا يبطل أو يبرر التزاماتنا تجاه بعضنا البعض. كلنا في المركب نفسه معًا، في هذا التراكم للندوب، وفي هذا العالم من الأشياء، هذه الجنة المادية والمؤقتة والتي غالبًا ما تتخذ وجه الجحيم. ما يهم هو أن نكون لطفاء. أن يكون لدينا حس التضامن. من المُهم أن نبقى متيقظين ومنفتحين، لأننا إذا تعلمنا أمرًا ممن سبقونا، فهو أن «نافذة المشاعر» لا تبقى مفتوحة إلى الأبد».


[1]  كاتب سويسري.

[2]  فن ينتجه فنانون عصاميون وليسوا ضمن المؤسسة الفنية ويصفون بالخارجيين لأن لديهم اتصال ضعيف أو معد مع عالم الفن السائد أو المؤسسات الفنية. وغالبًا تُكتشف أعمال هؤلاء الفنين بعد وفاتهم وتعبر أعمالهم عن  الحالات العقلية المتطرفة أو الأفكار غير التقليدية أو العوالم الخيالية المتقنة.

[3]  السراوة أو الاستطباق (بالإنجليزية: Gentrification)‏ في المناطق الحضرية هو إحلال الطبقة المتوسطة من المجتمع بطبقة أرقى منها نتيجة لزيادة القيمة الإيجارية للوحدات السكنية بسبب ما طرأ على المناطق الحضرية من مشروعات التحسين والتطوير الحضري بالإضافة إلى الحالات الفردية من المستأجرين أصحاب المهن الابداعية والابتكارية متزامنة مع اصطحاب أصحاب رؤوس الأموال للاستثمار في مجال الخدمات الترفيهية والترويحية مثل المطاعم والمقاهي جاذبة المزيد من الاستثمارات مما يستدعي السكان الاصلين للرحيل عن المنطقة لعدم قدرتهم على تحمل تكاليف المعيشة ودفع الإيجارات بعد ما طرأ على المنطقة من تغيير.

أضِف تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s