مقالة لن تُكملَ قراءتها | سلسلة النباهة في عصر التفاهة

مُقدّمة المُترجم:

قد يسأل أحدهم: «ما الضرر من أن تعرف شركات التكنولوجيا تفضيلاتي وأن تعطيني إعلانات مُخصصة لي؟»، ولكن لو توقف الأمر على الإعلانات، لكان هينًا، إذ تتحكم شركات التقنية بكل ما تتطلع عليهِ من منشورات وصور وأخبار، فهي تراقب تحركاتك عبر الإنترنت باستخدام الملفات تعريف الارتباط (cookies)، وتتبع تفضيلاتك السياسية والإعلامية والأدبية وحتى الإباحية منها، وتُصمم لك تجربة تعمل على دفعك نحو هذه التفضيلات فقط، دون غيرها، وهو ما يجعلك تعيش في فقاعتك مهما كانت، فتزيد من تطرف من المتطرفين ومن انقسام المنقسمين وانعزال الانعزاليين، وهو ما دفع الناس للعيش فيما يعرف بالغرف الصدوية Echo Chambers، بحيث لا يرون ولا يسمعون إلى ارتداد أفكارهم، فيظنون أن العالم ملكهم، ولا يرون الاختلاف، ولا يستفيدون من التنوع الموجود.

ولا يتوقف الأمر هُنا، بل توظف شركات التكنولوجيا مثل فيسبوك وغوغل وتويتر وشبيهاتها أقوى خبراء الخوارزميات والبرمجة وعلم النفس لتجد نقاط ضعف البشر وطرق تقويض انتباههم وإخضاعه لتطبيقاتهم لتضمن قضاء الناس لأكبر وقتٍ ممكن عليها، فكلما قضيتَ وقتًا أكثر، ربحت هذه الشركات أكثر، وهم يستغلون بذلك أذكى العقول في ترويض البشر والتلاعب فيهم، وكما يستطيع الإنسان العادي التحكم في بعض الحيوانات وأن يقودها من اتساع الحقلِ إلى ضيق الحظيرة، بحكم تفوقه عقليًا عليها، تعمل هذه الشركات على المبدأ نفسهِ، فهي تقود البشر قطعانًا من اتساع العالم إلى ضيق الهاتف المحمول، فلم تعد مواقع التواصل الاجتماعي تحقق غايتها في التواصل الاجتماعي بقدر ما هي أدوات تضييعٍ للوقت (في غالب الأحيان)، بل وثقب أسود لإهدار قدرات وطاقات البشر حول العالم وتدمير وعيهم وقدرتهم على الفعل والحركة على أرض الواقع.

متابعة قراءة “مقالة لن تُكملَ قراءتها | سلسلة النباهة في عصر التفاهة”

من سرق منك انتباهك؟ | سلسلة النباهة في عصر التّفاهة

نحن بحاجة إلى استعادة عقولنا بينما يمكننا إنقاذها، إذ تدمر وسائل التواصل الاجتماعي والعديد من جوانب الحياة الحديثة قدرتنا على التركيز.

تشكل لدى آدم (الابن الروحي لكاتب المقالة أو الابن بالمعمودية في حالات التدين المسيحي) عندما كان في التاسعة من عمره هوس قصير ومكثف وغريب بإلڨيس بريسلي، وقد أخذ يؤدّي أغنية Jailhouse Rock بأعلى صوته مع تحريكه لوسطه كما كان يُحركه إلڨيس. نظر إليَّ ذات يوم بجدّية بينما كنت أجهزه للنوم في فراشه، وسألني: «يوهان، هل ستأخذني إلى گرايسلاند[1] يومًا ما؟» وافقت دون أدنى تفكير في السؤال. ولم أفكر في الأمر إلا بعد فوات الأوان..

ضاع آدم مني بعد عشر سنوات، وكان قد ترك المدرسة في سنّ الخامسة عشرة، واعتاد قضاء معظم ساعات يقظته تقريبًا متناوبًا بين الشاشات مشدوهًا ومتنقلًا بين اليوتيوب والواتساب والمواد الإباحية (غيَّرتُ اسمه وبعض التفاصيل الصغيرة للحفاظ على خصوصيته). بدا وكأنه يتحرك بسرعة سناب شات، ولم يعد أي شيء يجذبه كما كان، وخلال العقد الذي أصبح فيه آدم رجلاً، حدث هذا التمزّق البين-ذاتي مع الكثيرين منا. كانت قدرتنا على إيلاء الأمور الانتباه متصدعة ومنهارة. بلغت الأربعين من عمري للتو، وفي أي مكان أجتمع فيه مع أبناء جيلي، نأسف على فقدنا لمقدرتنا على التركيز. ما زلت أقرأ الكثير من الكتب، ولكن مع مرور كل عام، قدرتي على التركيز والقراءة صارت تشبه درجًا كهربائيًا يتجه إلى الأسفل. ثم في إحدى الأمسيات وبينما كنَّا مستلقين على أريكتي وكل منا يحدق في شاشاتنا الصارخة بلا توقف، نظرت إلى آدم وشعرت بفزع شديد؛ قلت بهدوء: «آدم، لنذهب إلى گرايسلاند»، وذكرته بالوعد الذي قطعته على نفسي. استطعت أن أرى أن فكرة كسر هذا الروتين المخدّر أيقظت فيه أمرًا، لكنني أخبرته بوجود شرطٍ واحدٍ عليه الالتزام به إذا ذهبنا. ينبغي له أن يغلق هاتفه في أثناء خروجنا، وأقسم أنَّه سيغلقه.

متابعة قراءة “من سرق منك انتباهك؟ | سلسلة النباهة في عصر التّفاهة”