من سرق منك انتباهك؟ | سلسلة النباهة في عصر التّفاهة

نحن بحاجة إلى استعادة عقولنا بينما يمكننا إنقاذها، إذ تدمر وسائل التواصل الاجتماعي والعديد من جوانب الحياة الحديثة قدرتنا على التركيز.

تشكل لدى آدم (الابن الروحي لكاتب المقالة أو الابن بالمعمودية في حالات التدين المسيحي) عندما كان في التاسعة من عمره هوس قصير ومكثف وغريب بإلڨيس بريسلي، وقد أخذ يؤدّي أغنية Jailhouse Rock بأعلى صوته مع تحريكه لوسطه كما كان يُحركه إلڨيس. نظر إليَّ ذات يوم بجدّية بينما كنت أجهزه للنوم في فراشه، وسألني: «يوهان، هل ستأخذني إلى گرايسلاند[1] يومًا ما؟» وافقت دون أدنى تفكير في السؤال. ولم أفكر في الأمر إلا بعد فوات الأوان..

ضاع آدم مني بعد عشر سنوات، وكان قد ترك المدرسة في سنّ الخامسة عشرة، واعتاد قضاء معظم ساعات يقظته تقريبًا متناوبًا بين الشاشات مشدوهًا ومتنقلًا بين اليوتيوب والواتساب والمواد الإباحية (غيَّرتُ اسمه وبعض التفاصيل الصغيرة للحفاظ على خصوصيته). بدا وكأنه يتحرك بسرعة سناب شات، ولم يعد أي شيء يجذبه كما كان، وخلال العقد الذي أصبح فيه آدم رجلاً، حدث هذا التمزّق البين-ذاتي مع الكثيرين منا. كانت قدرتنا على إيلاء الأمور الانتباه متصدعة ومنهارة. بلغت الأربعين من عمري للتو، وفي أي مكان أجتمع فيه مع أبناء جيلي، نأسف على فقدنا لمقدرتنا على التركيز. ما زلت أقرأ الكثير من الكتب، ولكن مع مرور كل عام، قدرتي على التركيز والقراءة صارت تشبه درجًا كهربائيًا يتجه إلى الأسفل. ثم في إحدى الأمسيات وبينما كنَّا مستلقين على أريكتي وكل منا يحدق في شاشاتنا الصارخة بلا توقف، نظرت إلى آدم وشعرت بفزع شديد؛ قلت بهدوء: «آدم، لنذهب إلى گرايسلاند»، وذكرته بالوعد الذي قطعته على نفسي. استطعت أن أرى أن فكرة كسر هذا الروتين المخدّر أيقظت فيه أمرًا، لكنني أخبرته بوجود شرطٍ واحدٍ عليه الالتزام به إذا ذهبنا. ينبغي له أن يغلق هاتفه في أثناء خروجنا، وأقسم أنَّه سيغلقه.

متابعة القراءة “من سرق منك انتباهك؟ | سلسلة النباهة في عصر التّفاهة”

نهاية القوميات: هل هناك بديل للدولة القومية؟

 

«تعد الدولة القومية أحد أهم أسباب مشاكلنا كبشر ابتداءً من الحرب الأهلية ووصولًا إلى التغير المناخي. ويشير العلم إلى وجود طرق أفضل للعيش على سطح الكوكب»

ترجمة وإعداد: أنس سمحان

اسمح لي أن أطلب منك ولو للحظة أن تتخيل العالم خاليًا من مفهوم الدولة. تخيل خريطة خالية من بقعٍ صغيرة وملونة وخالية من أي حدود ومن أي حكومات لها قوانينها الخاصة. حاول أن تصف أي نشاط تقوم به مجتمعاتنا من تجارة وسفر وعلوم ورياضية وحفاظ على السلام والأمن دون أن تذكر الدول. وحاول أن تصف نفسك الآن: لديك على الأقل جنسية واحدة والحق في تغييرها، ولكنك لا تملك الحق في أن تكون بلا جنسية.

تلك البقع الملونة على الخريطة على اختلافها والتي قد تكون دولًا ديموقراطية أو ديكتاتورية أو فوضوية تدّعي تقريبًا جميعها بأنها دولًا قومية لديها سيادة إقليمية لشعبٍ ما والذين يحق لهم تقرير المصير ضمن حالة ذاتية الحكم، وهذا حسب تعريف الأمم المتحدة والتي تقول إن عدد الدولة القومية قد وصل إلى 193 دولة.

وهناك تزايد في عدد الدول التي تحاول أن تسعى إلى وجود كيان قومي لها خاص بها، مثل الاستفتاء الذي أجراه الأسكتلنديون قبل فترة والجهاديون في الشرق الأوسط الذين أعلنوا قيام «دولة إسلامية». والكثير من الأخبار في حياتنا اليومية، من الصراعات في غزة ومرورًا بأوكرانيا ووصولًا إلى خلافات بشأن الهجرة وعضوية الاتحاد الأوروبي، كلها ترتبط بالدول القومية بطريقة أو بأخرى.

وحتى بعد عولمة اقتصادنا، لا تزال الدول القومية هي المؤسسة السياسية الرئيسة في كوكبنا. وأغلب الأصوات التي تذهب للأحزاب القومية في انتخابات الاتحاد الأوروبي تثبت بأن القومية ما زالت حية على الرغم من أن الاتحاد الأوروبي يحاول تجاوزها (نُشرت المقالة قبل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي – المُترجم).

متابعة القراءة “نهاية القوميات: هل هناك بديل للدولة القومية؟”

توارد الأفكار – لا أفكار حصرية

توارد الأفكار

– لا أفكار حصرية –

عندما عكفتُ قبل مدة من الزمن على كتابة روايتي الأولى – قلب النار – وبدأت أخطها؛ لم أكن قد قرأت الكَثير من الكُتب أو الروايات الأخرى لأثريها؛ وخصوصًا الروايات المترجمة لأن روايتي ستكون غربية الطابع. في أحد المشاهد في الرواية كتبتُ عن مصيدة للأفخاخ يمرُ فيها البطل بشكل تدريجي، ثم يخرجُ منها بسلام حاصلًا على فتاتهِ والجائزة معًا. كتبت هذه الجزئية قبل 6 أو 7 أعوام تقريبًا. والآن عندما أتيت لأراجعها بعد رحلتي في عالم القراءة؛ وجدت أن المشهد نفسهُ موجودٌ في أحد الروايات الغربية الأخرى وأيضًا موجود في فيلم هذه الرواية. لبرهة ظننتُ أن هناك سرقة أدبية من نوع ما؛ لكني وجدت أن الرواية الغربية قد كتبت قبل روايتي بمائة عام تقريبًا، والفيلم كذلكْ.

وتخبرني إحدى الأخوات بأنها قد كتبت قصة قصيرة عن طفلٍ صَغير يولد في نفس اليوم الذي يولد فيه ملك، ويشاء القدرُ أن يكونا بنفس الشبه تمامًا. وكلنا يعرف بأن هذه قصة أوروبية شاهدناها ونحن صغار على قناة سبيستون وغيرها من قنوات الأطفال.

متابعة القراءة “توارد الأفكار – لا أفكار حصرية”

الفلسطيني والهجرة | أسباب ودوافع!

الفلسطيني والهجرة

الهِجرة – أسباب ودوافع

يولد الإنسان باكيًا وحينها تقوم الأم بتدفئتهِ واطعامهِ لأنها تعلم أن هذه هي المُشكلة، وليس لأنه فقط مجرد مزعج يريد البكاء. تقوم الأم بمهمتها المنوطة بها بشكل صحيح لا بضرب الطفل لأجل أن يسكت. وهنا درس يجب تعلمهُ فالأم هنا قضت على المٌشكلة. قضت الأم على المرض لا على العَرَضْ. بعد أن ينمو الطفل في العالم العربي يبدأ حينها بالعيش داخل مُشكلة كبيرة، ولا يسعى أبدًا إلى حلها، وإنما إلى معالجة أعراضها وهنا مُشكلة أخرى تتولد. وهذه المُشكلة هو ترك المشكلة كما هي والبحث عن مكان خال من المشاكل للبدء بهِ. وكذلك الأمر مع الهجرة مؤخرًا. الهِجرة ليستْ إلا نتيجة. من يقول أن الهجرة مُشكلة يكون مرة أخرى مُخطئًا حيث يبدأ بتوجيه اللوم للعَرَضْ مُجددًا. فكما نرى حينما يُصاب الإنسان بمرض ما أو حينما تُكسر ذراعه. فنحن لا نقول بأن يده هي المشكلة. أو أن العظم هو سبب الكسر. لأن الكسر هنا ما هو إلا نتيجة مشكلة أخرى وهي عدم الاهتمام بالصحة مَثلًا.

نعود للهجرة والفلسطيني.

الفلسطيني إنسان يولد مع جدول الكهرباء مطبوع في رأسهِ. يولدُ مكتوب على جبينهِ – بائس –. فقد ولدَ في الانتفاضة الأولى وما كاد أن يكبرَ قليلًا حتى أصبح أسيرًا، ولكنه حين خرجَ من سجنهِ لم يجد أي داع للحياة حيث القادة وغباءهم قد أفسدوا كل شيء. حتى وان علم هو حل المُشكلة فلن يتم استخدام حلولهُ فالكُل مُستفيد من بقاء المشكلة إلا الشعب. تزوج هذا الفلسطيني وهو يعمل بكد وقد كان زواجه بالديْن. لم يصبح عُمر ابنهُ العاشرة حتى قامت أيدي الانقسام بقتلهِ ربما عن طريق الخطأ. وما كاد أن ينتهي الانقسام حتى خسر زوجته وباقي أولاده في الحرب الأولى. لكنه يكابر ويصمد لأجل الوطن. قرر أن يتزوج من جديد ويبني من جديد. كان قد أتم البناء ومُستعد 100% للزواج الجديد وبدء حياة جديدة لكن الحرب الثانية لم تسمح له حيث تم قصف بيته الجديد وخطيبته قد استشهدت. لكنهُ كذلك قرر الصمود لأن شعبه – انتصر – في هذه الحرب. يُكابر على جرحهِ مُجددًا. يُقرر أن يبدأ من جديد مرة أخرى. ولكن الانقلاب الأخير في مصر لم يسمح له. لأنه أعاد الفلسطينيين إلا ما قبل نقطة الصفر. فقدنا نقطة الانطلاق.

لكنه يُكابر ويتحمل لأجل الوطن (أي وطن؟!). يسأل نفسهُ: (أعطيتُ وطني كل شيء. أحببت وطني أكبر من كُل شيء. أملتُ في وطني كثيرًا لكنه لا يتردد في إمنائي خيبة بعد خيبة. وخسارة بعد خسارة. هل تراها التضحية قليلة بعد؟! أم أن الوطن لسنا مثلما نعتقد؟! ربما لا يريد الوطن التضحية بقدرِ ما يريد أن يصلح من يمثلونهُ؟!). ينتهي التساؤل ولا سبيل فيعود إلى دوامة أفكارهِ.

متابعة القراءة “الفلسطيني والهجرة | أسباب ودوافع!”