مفارقات السفر والفصل العنصري المُعولم – نَص

أتذكر الآن المرة الأولى التي فكَّرت فيها بالسَّفر، أو بموضوعة الخروج. كان عُمري وقتها ٤ أو ٥ سنواتٍ. أمي تطير من الفرحة. خالي يعودُ من الإمارات زيارة إلى غزّة. قالوا لي بأنه سيأتي بالطائرة، وكانت الطائرة الوحيدة في مخيلتي هي الأباتشي. ذهبتُ مع عائلتي إلى الزَّنة ننتظر مجيء خالي. استغربتُ وقتها. كلهم كانوا ينظرون إلى الطّريق. أما أنا فكنت أنظر إلى السَّماء. أتخيل خالي يقود طيارة أباتشي ويهبط في فناء البيت. يصل بعد دقائق والسيَّارة تزفه بنعيقها. لم يأتِ مُحِّلقًا. على الأقل قد عاد. حقًّا عاد.


ترتبط مواسم عودة الأبناء إلى غزّة دائمًا بالفرحة العارمة. أمهاتٍ تودّع أبناءها الذين خرجوا بحثًا عن دراسة أو عن حياة سَعيدة. من ذكرياتي الأولى عن خالي حين عاد ليتزوج في سنين لاحقة أن خالاتي كنّ يتحدّثن فيما بينهن. «كوَّن نفسه». هنا الفكرة كانت في السفر قديًما. أن تخرج لتكوّن نفسك، ثم تعود، ثم تخرج مرة أخرى. ولا نراك بعدها لسنين طويلة.


وأنا أشاهد المُسلسلات الأميركية، كان أكثر ما يدهشني لديهم سهولة اتخاذ قرار السَّفر. أنا أميركي الآن واسمي جون في نيويورك. قد أقرر في لحظة صحوي من النوم بأني سأذهب إلى بريطانيا. الخطّة؟ أحزم حقيبتي وأتوجه للمطار فحسب. لا حفلات. لا انتظار. لا وله جنوني.
أمّا أنا الأساسي، أنس، والذي عاش طفولته في غزّة. كانت تُقام في حياته حفلات وداعٍ على الدّوام. وحفلات استقبال. لأن السفر ليس سهلًا، وليس هينًا، ومن يخرج قد لا يعود. ومن يعود، قد لا يخرج.


في أثناء ترجمتي الأخيرة للمقابلة مع هاروكي موراكامي. يتحدث الكاتب الياباني عن إمكانية السَّفر اليوم مقارنة بالماضي، فيقول إن الجميع صار بإمكانهم الذّهاب للولايات المُتحدة اليوم. يتكلم موراكامي هنا بمخيلة غربيةٍ تمامًا. هل فعلًا صار بإمكان الجميع؟ وهل يذهب الجميع إلى هناك بالسهولة نفسها؟ هل يستيقظ أنس في غزّة ويقرر أنه يريد الذهاب إلى أميركا ويسافر؟ أم أن عليه تقديم أوراق ثبوتية لها أول وليس لها آخر؟ هل عليه أن يقابل في السفارة الأميركية في القدس أم في الأردن أم في القاهرة؟ وكم شهر سينتظر؟ وكم سيدفع؟
يصف الكاتب عبد اللطيف إيغا (الإفريقي الأميركي صومالي الأصل) الأمر على أنه نظام فصل عنصري معولم. ترتفع الجدران في وجوهنا، وتقام الجسور للغرب.
أعيش أنا من يكتب، وأنت يا من تقرأ، بمخيلة «عولمة» كاذبة. عولمة يستفيد منها العالم الغربي ومن كل ميزاتها، ونحن نأخذ فتاتها ونقول: «ياه، العالم قرية صغيرة». لنأخذ موراكامي ونعطيه الجنسية الفلسطينية، ولنرى كيف سسيتحدث عن مفاهيم «العالميّة»، وكيف سيقع الكاتب المُغربن في فخ الاستسهال.

الصورة من التقاطي – من أول رحلة لي بالطائرة بين القاهرة وإسطنبول – يوليو/2019

تُنشر المقابلة قريبًا عبر مدونة دار جدل للنشر قريبًا.

متابعة القراءة “مفارقات السفر والفصل العنصري المُعولم – نَص”

طُغيان الوقت

في ظهيرة يومٍ غائم ورطب في الخامس عشر من فبراير عام 1894، مشى الفرنسي مارشال بوردين إلى حديقة گرينتش في شرق لندن. كان للشاب الفرنسي شعر داكن وناعم وممشط إلى الخلف وشارب عريض.  جال الشاب طرقات الحديقة الملتوية إلى أن وصل إلى المرصد الملكي، والذي كان قد بُني قبل عشر سنوات بوصفهِ مركزًا رمزيًا وعلميًا لوقت الساعة القياسي على مستوى العالم (توقيت گرينتش) وكذلك رمز للإمبراطورية البريطانية. حمل بوردين في يده اليسرى قنبلة: حقيبة ورقية بنية تحوي في داخلها عبوة معدنية مُعبأة بالمتفجرات. ومع اقترابهِ من المرصد، جهز القنبلة بزجاجة من حمض الكبريتيك، ولكن وعند وقوفه مواجهًا للمرصد، انفجرت القنبلة في يديه.

متابعة القراءة “طُغيان الوقت”

انتفاضة التيك توك أو كيف تمكّن الفلسطينيون من طرح سرديتهم؟

مُلاحظة من المُترجم: لأن ترجمة هذه المقالة سُتنشر على مدونتي وليس في أي من المواقع أو المجلات الأخرى، ولأن نشرها سيكون حرًا، وغير مرتبطٍ بمؤسسة أو جسمٍ ما، فقد آليت أن تكون الترجمة بتصرّف.  أي ذكر لدولة الاحتلال باسمها سيكون بين «بين مزدوجين». وسأعمد أيضًا إلى إضافة مُلاحظات خاصّة مني لتطوير المادّة وستكون مداخلاتي دائمًا بين أقواس أو في الهوامش السفلية من المقالة.

في العدوان الأخير على غزّة، وقبله في الحملة الإعلامية التي انطلقت من الشيخ جراح ونحو العالم (والتي ما زالت مُستمرة حتى الآن) تمكن الفلسطينيون من توحيد خطابهم الإعلامي ضد دولة الاستعمار الاستيطاني في حالة نادرة أثبتت أهمية انسجام السرديات، ومخاطبة الرأي العام العالمي (الناس لا الحكومات) بنبرة واضحة وملائمة، وأيضًا كان الفلسطينيون في الإعلام يتحدثون بنبرة صاحب الحق لا بنبرة الضحية، أثّر هذا على استقبال رسائل الاضطهاد والقمع وخلق نتائج كثيرة وأفشل جهود الهسبرة الصهيونية والعاملة منذ عشرات العقود على إخفاء الصوت الفلسطيني في المنصات الدولية.

متابعة القراءة “انتفاضة التيك توك أو كيف تمكّن الفلسطينيون من طرح سرديتهم؟”

آن لأميركا أن تقطع علاقتها «الوطيدة» بدولة الاحتلال

مُلاحظة من المُترجم: لأن ترجمة هذه المقالة سُتنشر على مدونتي وليس في أي من المواقع أو المجلات الأخرى، ولأن نشرها سيكون حرًا، وغير مرتبطٍ بمؤسسة أو جسمٍ ما، فقد آليت أن تكون الترجمة بتصرّف، وأن أشيرَ إلى «إسرائيل» على أنها دولة الاحتلال طُوال الوقت.  أعي تمامًا أن هذه مقالة رأي لكاتبها، ولكن هذه مدونتي، ولا أريد أن أذكر اسم دولة الاحتلال إلا إن كان السياق يتطلب ذكرها (صفة/سلبية). وسأعمد أيضًا إلى إضافة مُلاحظات خاصّة مني لتطوير المادّة، وستكون ملاحظاتي بين (قوسين) دائمًا. الهدف من تمرين عدم ذكر دولة الاحتلال إلا بما هي عليهِ، دولة استعمار استيطاني إحلالي، هو عدم التعوّد على ذكرها ليصير استخدامها بشكل طبيعي إطلاقًا.

تأتي ترجمة هذه المقالة من باب إظهار أن الرأي العام الأميركي سواء من الشارع أو من الأكاديمية، قد بدأ بالتغير، وهذا نظرًا لعدة متغيرات، منها متغيرات شعبية وناتجة عن جهود الحراكات والاتحادات الفلسطينية في الولايات المتحدة، أو لأسباب داخلية أميركية أو لأسباب تهم أو تؤثر على السياسة الخارجية للولايات المُتحدّة. يكون التركيز بشكل كبير على الرأي العام العالمي وليس على المُجتمع الدولي، والذي نعلم كلنا أنه مُنحاز حتى النهاية باتجاه دولة الاحتلال.

نُشرت هذه المقالة لأول مرة باللغة الإنجليزية على موقع مجلة فورين بوليسي من كتابة ستيفن والت، عالم سياسة أميركي، وأستاذ كرسي روبرت ورينيه بيلفر للشؤون الدولية في كلية جون إف كينيدي للإدارة الحكومية بجامعة هارفارد. قدم والت مساهمات مهمة في نظرية الواقعية الدفاعية الجديدة ووضع نظرية توازن التهديد (أو توازن القوى). ألّف وشارك في تأليف مجموعة من الكتب، منها: أصول التحالفات وكتاب الثورة والحرب وكتاب اللوبي الإسرائيلي وكتاب السياسة الخارجية للولايات المُتحدّة.


متابعة القراءة “آن لأميركا أن تقطع علاقتها «الوطيدة» بدولة الاحتلال”

لماذا تدعم الولايات المُتحدّة دولة الاحتلال الإسرائيلي؟

مُلاحظة من المُترجم: لأن ترجمة هذه المقالة سُتنشر على مدونتي وليس في أي من المواقع أو المجلات الأخرى، ولأن نشرها سيكون حرًا، وغير مرتبطٍ بمؤسسة أو جسمٍ ما، فقد آليت أن تكون الترجمة بتصرّف، وأن أشيرَ إلى «إسرائيل» على أنها دولة الاحتلال طُوال الوقت.  وسأعمد أيضًا إلى إضافة مُلاحظات خاصّة مني لتطوير المادّة، وستكون ملاحظاتي بين (قوسين) دائمًا.


في حين تعيد دولة الاحتلال ممارسة عسكريتها المتوحشة ضد قطاع غزّة المُحاصر، يبدو أن سكان القطاع أنفسهم قد حدّقوا في وجه الموت وتصالحوا معه. تشير تغريدات أهل القطاع التي انتشرت في أتون الحرب إلى أنهم قد استعدوا للأسوأ، وشهدنا كيف كانوا يجمعون عائلاتهم بأكملها في الغرفة نفسها ليموتوا معًا. لم تكن تلك التغريدات لجذب الانتباه، وإنما كانت رسائل وداع.

وفي حين أن الولايات المتحدة الأميركية وشعبها يقدسون الاحتلال الإسرائيلي ودولة الفصل العنصري الإسرائيلية، إلا أن باقي دول العالم لا ترى الأمر بنفس الطريقة، وبدأ هذا منذ تأسيس دولة الاحتلال منذ عام 1948.

ولكن اليوم، لدى دولة الاحتلال علاقات دبلوماسية مع أغلب دول العالم، ويعود الفضل في هذا إلى الولايات المتحدة الأميركية، فقد سعت واشنطن جاهدة  لتطبيع وجود دولة الاحتلال ودمجها مع الاقتصاد الدولي. لدى الولايات المتحدة الأميركية علاقة خاصّة مع إسرائيل، وذلك كما وصفتها وزارة الخارجية الأميركية:

«إسرائيل شريك كبير للولايات المتحدة، ولا صديق قريب من إسرائيل أكثر من الولايات المُتحدة. يجتمع الأميركان مع إسرائيل على التزامهم المُشترك تجاه الديمقراطية والانتعاش الاقتصادي والأمان الإقليمي. العلاقة التي لا يمكن كسرها بين الدولتين تشهد الآن أشد لحظات قوتها».

وزارة الخارجية الأميركية

متابعة القراءة “لماذا تدعم الولايات المُتحدّة دولة الاحتلال الإسرائيلي؟”