أرشيف

Posts Tagged ‘مطعم’

قصة قصيرة: طاولة لإثنين

 

طاولة لإثنين

 

طاولة لإثنين

 

مؤخرًا، لم أعد أرى من هذه المدينة إلّا ظلامها وصرت أحس بها تضغط على صدري كشبح جاثم لا يفكر بالنهوض. أقرب صورة تستحضرني حين أفكر أنني ما زلتُ فيها، هي صُورة بريطانيا في بداية الثورة الصناعية. مدينة يكسوها الضباب الأسود على مدار الساعة، فلا أفق ولا مهرب. كأن فوقها غمامة كبيرة غير مرئية تمنع وصول الضوء إليها.

الساعة الآن الثالثة إلّا ربع، ولدي موعد في استراحة الباقة التي تطل على البحر الساعة الخامسة، مع صديقي محمود والذي صرتُ أراه على وتيرة متصلة بعد حادثة فقدٍ معينة ألمّت بنا معًا. كأننا اتخذنا عهدًا على أن نبقى قريبين من بعضنا البعض. يتوّجب عليّ الخروج الآن من البيت لأن الطريق لوحدها إلى ذلك المكان تستغرق مني ساعة على أقل تقدير. أرتدي حقيبة الظهر، وأخرج من البيت.

فِي الماضي، وفي أثناء دراستي الجامعية كانت هذه الطريق هي مكاني الوحيد والحقيقي للقراءة، وأذكر بأن أغلب ما قرأت، كان في الطريق بين الجامعة والبيت. كنت أصحو من نومي في الساعة السادسة وعشر دقائق، وأكون أمام البيت في انتظار الحافلة في الساعة السادسة وعشرون دقيقة. أركب الحافلة… أضع سماعات الأذن، وأفتح الشنطة وأخرج منها الكتاب المرافق. قضيت أربع سنين على هذا المنوال، ولا أذكر يومًا بأني كنت واعٍ لما يحصل في الطريق أو ما هي محطاته. كانت الحافلة تتوقف من بيتنا إلى الجامعة أكثر من مائة مرة لتحمّل في طريقها الطُلّاب، ولا أذكر أي وقفة منها. كنتُ عندما أفتح الكتاب وأغوص في عالمهِ وأتوقف عن الوجود في هذا العالم. كنت كمن يدخل في حالة اسقاط نجميّ. أتذكر كل الكتب وكل عناوينها وكل عوالمها وتفاصيلها، وفي الوقت نفسهِ وعلى سبيل المفارقة، لا أعي أي شيء من تفاصيل هذا العالم. بدأت تلك الغمامة المظلمة بالتشكل حسبما أتذكر مع بداية القراءة، حينما بدأت أعي مكاني في هذا العالم (إن كان لي مكان أصلًا). قراءة المزيد…