مسلسل “فتيان”: سردية اليسار الصهيوني


عرضت شبكة HBO الأميركية مسلسل Our Boys القصير، أو بالعربية “فتيان”. المسلسل إنتاج مشترك بين الشبكة المعدة لمسلسل “تشرنوبل”، واستديوهات كيشيت. العمل من صناعة الإسرائيليين هاغاي ليفاي وجوزيف سيدار، والفلسطيني توفيق أبو وائل.
يبدأ المسلسل بالحديث عن قتل ثلاثة مستوطنين (إيال يفراح وغيلعاد شاعر نفتالي فرينكيل)، في شهر يونيو/ حزيران 2014، ولكنه يُكرِّس أقل من نصف حلقة لهم، لينتقل إلى الحديث بالتفصيل عن خطفِ وقتل الطفل الفلسطيني محمد أبو خضير في عشر حلقات. في التعريف القصير المنشور للمسلسل ورد أنه “مبنيٌ على الأحداث الحقيقيّة التي أدّت إلى اندلاع الحرب في غزة 2014”. ولكن نجد أن التركيز على العلاقة بين الجريمتين ضعيف، ولا يظهر إلا بخبر تلفزيوني: “قصف حماس لمستوطنات غلاف غزّة كان ردًّا على الجريمة النكراء لخطف وضرب وحرق الطفل الفلسطينيّ”.

على خلاف باقي المسلسلات إسرائيلية الإنتاج، يحاول “فتيان” تقديم سَردية تختلف عن السائِد، إذ يفرد نصف حلقة عن قتل المستوطنين، وباقي العمل يُركِّز على أبو خضير، وأثر الجريمة على الصف الفلسطيني عامةً، وعائلته خاصةً، فصُورت الأم المكروبة قبل الجريمة وبعدها، وكيف انقلبت حياتها رأسًا على عقب. وصُوّر الأب والأخ وباقي العائلة عن قرب في حياتهم اليومية وكيف تلقوا الخبر وتعاملوا معه. كُل هذا كان بأداء لافت من الكادر التمثيلي، حيث أدّى المُمثل الفلسطيني جوني عربيد دور والد محمد، والمُمثلة رُبى بلال دور والدته.
التمثيل وحده لا يكفي، فكانت الكتابة للعمل من طرفين (فلسطيني وإسرائيلي)، وبالتالي كانت السردية المطروحة في العمل مُتحاربة، وهو ما نحى بكثير من الإسرائيليين لرفض العمل من بدايته، لأنه لم يتطرق إلى حالة عائلات المستوطنين الثلاثة كما فعل مع أبو خضير، وكيف صوَّر حالة الكرب التي ألمّت بأمه وأبيهِ، دافعة كل من يُشاهد للتضامن معهما، مع عدم التركيز على المستوطنين.

أيضًا، حاول المُسلسل تقديم جزء من السردية الفلسطينية في ما يخص هدم بيوت الشبان الفلسطينيين الذين يشاركون في العمليات ضد الاحتلال، حيث قدّم والد محمد أبو خضير في المسلسل التماساً لهدمِ بيوت المستوطنين الذين قتلوا ابنهِ، ولكنه وُوجهَ بالرفض بذريعة أن ما يفعله الفلسطينيون مُتكرر، في حين أن “جريمة قتل ابنه جريمة نادرة ولا تحدث كثيرًا”. في هذا السياق، يرد حسين أبو خضير على المحامي الإسرائيلي أورين كورب: “هناك فرق. أنتم دولة. أنتم لديكم القوة. نحن؟ ماذا لدينا نحن؟”.
هذا التقديم الخفيف للسرديات المتناحرة، حدا برئيس وزراء دولة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، أن يُطالِب بمقاطعة المُسلسل والشبكة الأميركية المُنتجة والشبكة الإسرائيلية المُساهمة أيضًا، ووصف المنتجين والقائمين على العمل بأنهم “معادون للساميَّة”. قد يدفع هذا الرد السلبي من اليميني نتنياهو إلى البعض ليظنوا أن المُسلسل عادِل، وأنه فعلًا يُقدّم رواية فلسطينية في عمل إسرائيلي، ولكن الأمر ليس كذلك.
بما أن العمل دراميّ، ومبني على أحداث حقيقيَّة، إلّا أن عُنصر التخييل حاضر. حضور عُنصر التخيّيل موجود في تلميع صورة الكيان، وإظهاره أولًا بمظهر المُستنكر لجريمة قتل الطفل بأنها جريمة “لا يمكن أن يقوم بها يهودي إسرائيلي”، بل وحتى محاولة إظهار أبو خضير في البداية “مثلي الجنس”، وأن جريمة حرقهِ قد تكون وقعت على أيدي عرب مُسلمين. هذا الاستنكار الكاذب بأن الإسرائيلي لا يمكن أن يرتكب جريمة مثل هذه، يُذكّرنا كثيرًا بمقولات يرددها الجنود الإسرائيليون، مثل: “طلقة واحدة، اقتل اثنين”، وهي دعوة لقتل الحوامل الفلسطينيات. والمثير للمفارقة أن مثل هذه المقولة ظهرت من بعيد في العمل، عندما كان يسعى القتلة إلى خطف فلسطيني، فيما أظهره المسلسل على أنه رحلة صيد. تحدّث القتلة في ما بينهم عن الفلسطينيات الحوامل، وأنهن يحملن في داخلهنَّ إرهابيين صِغاراً.

في حلقات المسلسل العشر، ومنذ لحظة خطف أبو خضير، وحتى لحظة الحكم بالسجن على القتلة، كانت تتحارب في العمل سرديتان، تحاول كل واحدة منهما أن تغلب الأخرى، إلا أن السردية الإسرائيلية “اليسارية” كانت لها الغلبة، عند العين الناقدة. فالعمل حاول بقوّة أن يظهر سعي جهاز الشاباك الحثيث للإمساك بالقتلة، لأنه يستنكر الجريمة ويريد “إحقاق الحق” وتنفيذ “العدالة” لأهل الطفل في المحكمة الإسرائيلية، ولاحقًا الحُكم على القتلة بالسجن مدى الحياة (على اثنين منهم، والثالث عوقب بحكم أخف لأنه يعاني من أعراض نفسية)، فهو يبين أن إسرائيل تنفذ العدالة لأجل الفلسطينيين كما تفعل مع الإسرائيليين. هذه السردية يظهر كذبها في حادثة أيمن أبو صفية أخيرًا، حين تهاون الاحتلال في البحث عنه وسأل أصدقاءه عما إذا كان “عربيًا أم يهوديًا؟”.
يُقدم المسلسل خِدمة جليلة للهاسبرا (الدبلوماسية العامة في إسرائيل)، في تلميع صورة دولة الاحتلال عالميًا، وإظهارها دولة ديمقراطية لا تُفرّق بين فلسطينيّ ويهودي، وأنها ليست دولة فصل عُنصري، بل تسعى لتحقيق العدالة والرفاهية للطرفين. طوال المُسلسل، وقبل الخطف، يخرج الإسرائيليون في الشوارع ينادون بـ”الموت للعرب”، ويكتبون على الإنترنت شعارات تنادي بقتلهم وحرقهم.
يظهر في العمل أيضًا أثر استشراقي، فإحدى الشخصيات تقول: “العرب ليسوا منطقيين، ودولة إسرائيل منطقية. واللامنطقي يغلب المنطقيّ. قتل المستوطنين الثلاثة لم يكن منطقيًا، وبالتالي استوجب ردة فعل غير منطقيّة”. وبعيدًا عن الدعوة للقتل في المقولة، إلا أنه ينظر إلى العرب على أنهم كائنات غير منطقية مقارنة باليهودي الأبيض.

حتى في المُحاكمة، عندما ينطق القاضي بالحُكم، قال إن المستوطنين المغبونين كانوا قد تعبأوا بشعارات الكراهية المنتشرة وعميت أبصارهم وقتلوا الطفل أبو خضير.
في المسلسل، تُظهر السردية الإسرائيلية أن جريمة قتل أبو خضير جريمة مُفردة وجريمة كراهية لا سابقة لها، فهو لا يحكم السياق بالحروب أو بجرائم الشرطة ضد الفلسطينيين أو جرائم الجنود. وفي ظل الحراك العالمي هذه الأيام استنكارا لقتل الأميركي جورج فلويد، عمد أحد أفراد الشرطة الإسرائيلية إلى قتل إياد الحلّاق، وهو شاب فلسطيني مُصاب بالتوحّد، وكان أعزل.
هذا النوع من العمل جنبًا إلى جنب مع الإسرائيليين في الدراما، يستوجب الحذر، لأنه في أحسن حالاته يُظهر الاحتلال ديمقراطيًّا ويعطي للفلسطينيين المجال للعمل معهم والكتابة معهم والتمثيل معهم، وفي الوقت نفسهِ يصورهم، أي العرب، جماعة من الغوغاء التي يُتوقع منها أن تقتل الإسرائيلي بسهولة ودون “مُبرر”، فِي حين أن الإسرائيلي نظيف ولا يقتل، إذ إنه محكوم بالتلمود وبجملة “Thou shall not kill”.

أضِف تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s