أرشيف

أرشيف المؤلف

صندوق رمل (قصة قصيرة)

 

1347700125_671c3e035f

قد يبدو اللا شيء تجربة جيدة لمن لا يدخلها ولا يعرفها، وقد تبدو تجربة مثيرة لأولئك الذين يعيشون بقلب طفلٍ ينتظرون تجارب الحياة الجميلة. أولئك كلهم ما زالوا يعيشون في المرحلة الأولى، أما أنا فقد قفزت حتى الهاوية. لم يكن قفزًا عن تلك التجارب، وإنما قفزٌ عن إعادتها. في كل تجربة هناك نفس المراحل. أنا أوفر على نفسي عناء التجربة، وأقفز للخاتمة. هل يبدو هذا فعل رجلٍ عاقل؟

لم تتغير الساعة على الحائط. توقفت قبل ثلاثةِ أعوامٍ على الساعة العاشرة، ولم أفكر يومًا بأن أغيّر لها بطاريتها أو أنظر ما بها. تعجبني الساعة العاشرة. على الأقل تبقى الساعة هي الشيء الوحيد الذي يعطيني ما أتوقعه كلما نظرت أو احتجت إليه. كم مضى على عدم خروجي من هذا المكان؟ لا أدري، رُبّما شهرٌ أو أقل أو ربما أكثر، لا أتذكر. لا أرى الشمس أبدًا. أتعفن في سريري كما أنا. أعرف النهار من عواء الكلب خارج المنزل على بائع الحليب الذي يأتي كل صباحٍ، وأعرف الليل من بومٍ يقف كل يوم عند نافذتي المغلقة محاولًا دخول البيت. أقف. أنظر للمرآة. أرى شبحًا. أرتعب قليلًا، كما في كل يومٍ قبل أن أتذكر بأن هذا الشبح هو شبحي، ثم أعود للنومِ مُجددًا. أو لأحتضن الأوراق المترامية هنا وهناك محاولًا كتابة شيءٍ ربما يحاز على إعجابي، ولا سبيل.

أعلمُ أن الوقت الآن صباحًا. سمعتُ الكلب يعوي خارجًا. اسأل نفسي، هل أنهض من السرير؟ هل هناك ما يستحق فعلًا؟ أقرر بأني سوف أخرج اليوم لأرى كيف صار العالم خارجًا. أو ربما لأزور البلدية التي أرسلت لي للمرة المليون على التوالي إشعار إخلاء لأجل فتح شارعٍ في مكانِ المنزل. أو ربّما لأذهب وأرمي بنفسي من فوق أي نهرٍ أو برجٍ وأنتهي. لكن انتحاري يعني انتصار البلدية، وأنا لا أريد ذلك. قد أكون أعلنت انسحابي من العالم. أما أن أنسحب وهناك معركة قائمة؟ هذا لستُ أنا. على الأقل بقي لدي بعضٌ مِنّي أريد المحافظة عليهِ. أو ربمّا نهاية أبقى في البيت ولا أتعب نفسي بأي تفكير خارج هذا الصندوق. لن تكون البلدية قادرة على هدم منزلٍ مرخّص أو ربما ليس مرخصًا، لم أثق بوالدي يومًا. عندما يأتي وقت الهدم، مؤكد سيبعثون بإشعار إخلاءٍ إجباري، أو تهديد. حينها فقط سأفكر فيما سأفعل. أما الآن فعلي الاستعداد لنومي وقت الظهيرة.

 تلكَ اللعينة الغبية نور، لم تحضر إلى منزلي منذ شهرينِ على خلافٍ بسيطٍ. كانت كل مهمتها أن تأتي إلى سريري، لكنها أصرّت أن تخرجني من المنزل معها لترى العالم. أخبرتها مرارًا، بأنه ليس من اختصاصها، وأنها ليست إلا رفيقة سرير، لكن الفتيات الحمقاوات لا يمكنهن إقامة أي علاقةٍ دون إدخال المشاعر فيها. في آخر مرة أتت، لم تتوقف عن الحديث حول العالم والمدينة، وكلما حاولت إسكاتها بخلع ملابسها عنها قاومت أكثر، وأيضًا أبت الخروج من المنزل. نهايةً اضطرتني لأوافقها في فكرتها. غيرتُ ملابسي، وحلقتُ ذقني للمرة الأولى منذ مدة طويلة، لدرجة أنني لم أميز نفسي أثناء الحلاقة. أعطيتُ نفسي ثلاث ضربات بالموس، رُبّما خطًا، وربما عن عمد، لا أدري. كانت تنتظري عند باب الغرفة. كانت مبتهجة جدًا. قلت لها: «من بعدك،» وانطلقت سعيدة صوبَ الباب تركض. فتحت الباب وخرجت. وفور خروجها. أغلقتُ الباب، وقمت بتأمينه بقوّة. حمقاء. ظنّت بأني سأخرج. لا يكفي بأنها قد أخرجتني من سريري، تريد إخراجي من منزلي أيضًا. ولأي هراء؟ لأرى العالم. كأن هناك شيء ليرى. نفس النفاق، ونفس البشرِ. قد يتغيّر البشر، لكن الطباع لا تتغيّر. قد تتغير المنازل، لكن البشر لا يتغيرون. قد تتغيّر كل ملامح المدينة في يومٍ لكن يبقى شيء واحد لا يتغيّر، هو أنهم كلهم تعساء.

عاودت نور الطرق على الباب لساعات، أما أنا فرميت ملابسي التي ارتديتها وعدتُ إلى سريري مُجددًا. توقف الطرق. وبقيت أنا. وفي اليوم التالي، لم يأتِ أحدٌ إلى البيت، ولا اليوم الذي يليهِ. الأكل في المنزل يشارف على الانتهاء، والحليب فقط هو الذي يتجدد كل يومٍ. كانت مسؤولية نور أن تحضر لي الأكل في طريقها، ولكن يبدو أنّ ما فعلته بها هذه المرة قد جرح كبريائها. كيف تجرح كبرياء عاهرة؟ أخبرتها مرارًا، بأن له دورٌ واحد منوطٌ بها، وعليها ألّا تتجاوزه، وإلا فستجرح. أنا لستُ سيئًا. أنا فقط أخاف على نفسي من التعلق بأي شيْ فانٍ. أحاول أن أبعد الجميع عني بتصرفات مثل هذه. أحيانًا أستثقل الأمور التي أقوم بها، ولكن أستمر. أخبرت الجميع بأني لا أريد أي تواصل بشري، ولكنهم لا يتوقفون عن العودة مُجددًا. أنا استسلمت عن إصلاح نفسي، فلماذا لا يستسلم العالم؟

مرّ أسبوع، ولم تأتِ نور. بطني جائع، وهناك أجزاء أخرى من جسمي جائعة أيضًا. أحاول الاتصال بها، ولكن خطّ التلفون مقطوع. لوهلةٍ هممتُ بالخروج. حاولت أن أفتح إحدى النوافذ، ولكن لفتح النوافذ، يستوجب عليّ فتح الستائر. خرجت من السرير متثاقلًا. هذه المرة الأولى التي أترك السرير دون أن اسأل نفسي، ما إذا كان هناك أي شيء يستحق أن أقوم من أجله. اتجهت نحو النافذة، ورفعت الستائر بيدي قليلًا، فإذا بنور الشمس يعمي من شدتهِ. تراجعت للخلف من الفزع وتعثرت بشيء ما وسقطت على رأسي. صحوتُ بعدها بساعات. نظرت إلى الساعة وكانت الساعة العاشرة. أتذكر بأني حينما حاولت فتح النافذة كانت الساعة العاشرة أيضًا. يبدو بأني غبت عن الوعي اثنتي عشر ساعة. أعلم بأن الساعة متوقفة لكني أحب الأجواء الدرامية. ولو سألني أي أحد عن الموضوع لقلتُ بأني قررت الخروج من المنزلِ، ونظرت للمرآة قبل فعل هذا، فرأيت بومًا عملاقًا يجثم على كتفي، فأفزعني، مما جعلني أجري في المنزل مثل الأبله إلى أن تعثرت قدمي ببعضها وسقطت. وسأشرح السقطة بالتصوير البطيء، وكيف اصطدمت بالأرض وكيف فقدت وعيي لنصف يوم. متأكد بأني لم أغب لأكثر من ساعة، لكني أحب الكذب لأضيف بعض التشويق إلى حياتي. حتى وأنا أعيش لوحدي، أحاول أن أخلق هذا الوهم بأن حياتي ليست كما هي. أقف وأتوجه للمرآة. أمسحها وأنظر باحثًا عن ذلك البوم.

أحاول تذكر شكل نور قليلًا حتى أكون قادرًا على الاستمناء. لكن ملامحها تبدو ضبابية الآن، ولا أتذكر إلا ملمسها. أسبوع واحد فقط كان كفيلًا بمحي كل شيء يتعلق بها. لهذا أطلب منها أن تزورني على وتيرة شبه يومية. لم أفلح. تبوّلت ثم عُدت إلى سريري مُجددًا. كان قرار فتح النافذة قرار فاشل، مثل كثير من القرارات التي اتخذها، والتي لا تدوم إلا لدقائق، قبل أن أفقد الحماس لأقوم بها.

بقيتُ دون أتحرك لمدة بدت طويلة. البرد قارص في هذا الشهر. لا أعرف في أي شهر من العام تحديدًا، لكن الذاكرة البيولوجية تؤكد أن هذا فصل الشتاء. استجمعت ما بقي في جسمي من طاقة لأصل إلى الموقد لأشعل نارًا تدفئ المنزل قليلًا، ولكن لم يكن هناك أي أخشاب. توجهت للمكتبة، باحثًا عن كتب لم أحرقها بعد تساعدني في تقضية هذه الليلة. هنا كتاب نيتشة إنسان مفرط في إنسانيته الجزء الأول. لقد حرقت الجزء الثاني قبلًا، حيث لا يمكن لأحدٍ أن يقرأ الجزء الثاني دون الأول، وبالتالي سأحرق الثاني وأبقي على الأول. كتاب آخر لنيتشة. أفول الأصنام. ترجمة هذا الكتاب سيئة، ولا يمكنني أن أسمح لأحدٍ ما أن يوسخ عينيه بقراءة هذا الكتاب. لكنه صغير ولن يكفي. أكمل البحث. وجدت كتاب أصل الأخلاق لنيتشة أيضًا، لم يعجبني، لكنه قد يفيدني الليلة؛ لكنه أيضًا لا يكفي. على حافة الرفّ، كانت رواية يوليسيس لجيمس جويس. هذه الرواية الذي لم أعرف أي أحدٍ قد أتمها قبلًا. الرواية في 800 صفحة، وتكفي لإقامة حفل كاملٍ. أقصد طبعًا حفل شواء. بدأت بقراءتها قبل أعوام، ولكني لم أتمكن من إتمامها أيضًا. لماذا لم أحرقها قبلًا؟ تذكرتُ بأني في كل مرة حاولت أن أحرقها أقول في نفسي، ماذا لو أبيدت كل البشرية أو انقرضت؟ أو غرقت؟ ألا تستحق الأجيال القادمة أن تتمتع بشيء من تراثها؟ أضع نفسي موضع المنقذ. هل يستحق التراث الإنساني أن يعيش؟ لماذا أوجع رأسي بكل هذه الأسئلة؟ حملت الرواية وتوجهت إلى الموقد. أضرمت النار بدءًا بأفول الأصنام. هذه أقل ما تستحقه الترجمة السيئة. أن تحرق هي ومترجمها. بدأت بإشعال الغلاف من عند اسم المترجم. ثم أتبعت ذلك بأصل الأخلاق. تشتعل النيران في الأوراق الصفراء بسرعة. وحينما أردت أن أرمي برواية جويس، استثقلت الأمر مجددًا. حتى هذا القرار لم أستطع أن أستمر فيهِ. نظرت إلى العلامة في الكتاب والتي تشير إلى أين وصلت. سأحرق ما قبل العلامة وأبقي على ما بعدها، علّي عدت يومًا ما إلى إكمالها. أمزق الورقة الأولى، فتصيبني نشوة من نوعٍ ما. مزقت الثانية ثم الثالثة. عدتُ وقتها إلى غريزة من نوع ما. أخرجت النار من الموقد ووضعها على صينية في منتصف الغرفة. خلعت كل ملابسي ولبست شباحي كحفَاضة طفل قماشية. وصرت أدور حول النار في دوائرٍ وأنا أمزق الكتاب وأرمي الورق في النار. لم أشعر بالحياة من قبل كما أشعر بها الآن. بدأت بإصدار الأصوات التي رأيت الهنود الحمر يصدرونها في أحد الأفلام الوثائقية. لم يكن هذا كافيًا. كانَ على الموقد شفرة، فسحبتها وجرجت كتفي واستخدمت الدم في رسم دوائرٍ حمراء على جسدي، وأكملت ما كنت أقوم بهِ. استغربت أن دمي ما زال أحمرًا بعد كل السجائر التي دخنتها في حياتي. همدت النار، ووصلت إلى العلامة. البرد يقرص مُجددًا. عدتُ مسرعًا تحت الغطاء.

لم أدخن أي سيجارة اليوم، ولو خرجت مُجددًا من تحت الغطاء سأموت متجمدًا، ومن حسن حظي أن علبة السجائر تحت الوسادة. أخرجت العلبة، ولففت سيجارة، وبدأت أدخن. لم أجرب يومًا التدخين تحت الغطاء. سحبت نَفسًا طويلًا كأني أدخن للمرة الأولى منذ عقود ثم نفثت. شعرت بالدفيء في هذه اللحظة كما لم أشعر طوال الليل. استمررت في التدخين إلى أن فقدت الشعور. لم أختنق، ولكني فقدت الشعور بالمكان.

صحوت في اليوم التالي على صوت طرق الباب. عادت نور مُجددًا يبدو. كان الجو خانقًا. الأرضية مليئة بالأوراق المحترقة ونصف المحترقة. مرتبة السريرة مشبعة بالدخان. نسيتُ قبل حفلة البارحة أن شبابيك المنزل مغلقة. غريب بأني على «قيد» الحياة. اعتادت نور الانتظار لساعات قبل أقوم، ولكني هذه المرّة لن أقوم. رفعت الغطاء مُجددًا ووضعت رأسي تحت الوسادة لأتجنب ضجيج الباب. ولكنها لم تتوقف.

عندما حلّ المساء، وقفتُ وذهبت إلى الباب لأحضر علبة الحليب، ولكني وجدتها نائمة وهي تتأبط نفسها من البرد وتجلسُ منتظرة. أخذت علبة الحليب والبقالة المرمية بجانبها وأغلقت الباب. ولغبائي، نسيت أن الباب لا يغلق إلا إذا صفعته بقوة. حاولت إغلاقه بهدوءٍ ولكنّي لم أفلح. تركته مفتوحًا، وتوجهت إلى المطبخ لآكل. كنت عاريًا من كل شيء، إلا من بطانية تلفّني. أخرجت من كيس البقالة تفّاحة. قضمتها، وكانت أول تفاحة منذ أشهر. لشدة فرحتي بهذه التفاحة يدي الثانية تركت الغطاء فسقط على الأرض. ما أشبهني الآن بآدم. أكلت تفاحة فبانت سوءَتي. الخطيئة الأولى، ومن أحضر لي التفاحة؟ حواء. وبينما أن في سَورة خيالي حوّل التفاحة رأيت نور تدخل. لم أترك لها أي مجال لتوبخني. أمسكتها من يديها وسحبتها نحو السرير. كانت تقاوم في البداية، لكنها استسلمت نهايةً.

غُصتُ في نومٍ عميق بعدها، ولكني صحوتُ على صوت ضجيج مكنسةٍ كهربائية. فتحت عينيّ، فكان النور ثقيلًا. لقد فتحت اللعينة الستائر والنوافذ، وتقوم الآن بتنظيف المنزل. لماذا تحاول أن تكون أكثر مما أريد؟ توجهت إليها، وبدأت برمي الأشياء عليها. أيتها العاهرة ماذا تفعلين؟ تبكي. وتخبرني بأنها ليست عاهرة ولا تتقاضى مني أي مال. تخبرني بأنها تريدني أن أرى العالم. تخبرني بأنها تحبّني. أخبرتها مرارًا بأني لا أريد منها أي شيء، ولكنها لا تتوقف. لماذا لا تتوقفين؟ أكل هذا السوء لا يكفي لجعلك تكرهينني؟ لا يمكنني أن أغضب أكثر. حينما نزلت دموعها على الأرض أثارت استعطافي. لا يمكنني أن أكون سيئًا حتى!

أحضنها وهي تجهش بالبكاء، ثم أخذت تحكي عن مشاكلها وأنا أتظاهر بالاستماع. لم تتوقف عن البكاء، وأنا أريد العودة للنوم مُجددًا. حاولت أن أسكتها بأي شيء، ولكنها لم تتوقف. تخبرني بأنّها أعدت الفطور وأنها لن تسكت ولن تخرج إلا إن أكلت. توجهت للمطبخ، وكان هناك بعض اللحم المقليّ في المقلاة وبجانبهِ كوب شايٍ يخرج منه البخار. طفقت بالأكل كأنني كلب جوِّع عَمْدًا. كانت تنظر إليّ وابتسامة تبدو على محيّاها. من ألقى بها عليّ؟ لماذا تقف إلى جانبي؟ لماذا تريدني ان أخرج؟ لماذا تتعب نفسها معي؟ هي طيبة جدًا وقوية جدًا. أحسبها تستطيع اصطياد أفضل مني بمليون مرة. نعم أقول اصطياد، فالرجال هم من يقعون في الشراك وليس العكس. يظن الرجال بأنهم الصيادون وأن الإناث هنّ الضعيفات، ولكني لم أرَ قبلًا أقوى منها. هل حقًا تحبّني؟ أم أنها تميل إلى الرجال المحطّمين الذين لا أمل فيهم؟ هل هي صورة القديسة؟ ما زالت الابتسامة موجودة وتتسع شيئًا فشيئًا.

انتهيتُ من الأكل، لأجدها قد أعدت لي حمامًا ساخنًا. دخلت في الحوض، ووضعت قدمي في المياه الساخنة.          هذه المرأة تعيدني طفلًا. تهديني الخطيئة الأولى، ثم تمنحني الميلاد. كانت تمسك بالإسفنجة وتنظّف آثار الدماء عن جسدي. تسألني عن الجرح في كتفي، فأتجاهلها. أجفف الماء. ثم أرتدي بعض الملابس التي وضعتها على الرف. تقول بأنها قد حضّرت سلة الطعام وأنها تنوي أن تصحبني إلى الخارج. هذه المرة الأولى التي أنظر إلى عينيها. لم أقوَ أن أقول لا. يبدو أن نوبة الجنون البارحة قد صنعت بي ما صنعت. يبدو بأني قد ولدت من جديد حقًا. أجبتها بأني سأخرج معها. هذه المرة، أرادت مني أن أخرج أمامها لا خلفها، كي لا أقفل الباب مثل المرة الماضية. لا أستطيع أن أقول بأنها خبيثة، فأنا لم أترك لها خيارًا.

لم أخرج منذ مدة طويلة. كنت أمشي شبه متكئ عليها، وكانت عيون العامّة كلها تنظر إلينا. أو بالأحرى كانت تنظر إليها. فتاة تمشي بصحبة شبح. الأطفال يهربون من الشارع خوفًا والكبار يتهامسون. حاولت أن أتجاهل أي شيء وأن أركز في خطواتي كي لا أقع، ولكن ليس من السهل أن تتجاهل كل العيون المُحدقة. سمعتُ رجلًا يخبر صديقه هامسًا: «ما الذي يدفع فتاة مثل هذه أن تخرج مع شخصٍ بحكم الميت؟» وآخر يتحدث ويقول بأني أدفع لها الكثير كي تقوم بما تقوم بهِ. تخبرني نور أن أتجاهلهم وأن أكمل مسيري. أكره أن أكون محط أنظار الجميع وأنا الذي حاولت أن أدخل نفسي في غياهب النسيان قصدًا. وصلنا إلى الحديقة قبالة البحر.

ما زلت متكئًا على كتف نور. تشربني نور كوب حليبٍ ساخن من الثيرمس الذي أحضرته. ولكني أخرجت من جيبتي زجاجة رمٍ صغيرة، وأفرغتها بالكوب. لم نكن قد جلسنا أكثر من خمس دقائقٍ، حتى وأقبل علينا رجال الشرطة. يصرخ أحدهم من بعيد عليّ بأن أترك الفتاة وشأنها وأن أرفع يداي في الهواء. حاولت، ولكني لم أستطع. بالكاد كنت أستطيع أرفع يدي على مستوى كتفيّ. تحاول نور أن تخبرهم بأننا مع بعضنا، ولكن كان هناك جمع كبير من الناس الذين تجمهروا، وكانت أصواتهم عالية. ظنوا بأني أحبسها كرهينة. لا يمكنني تحمل كل هؤلاء. حاولت الوقوف، وإذا بأحد عناصر الشرطة قد أطلق النار، فأصاب طرف ساقي اليمنى.

ككلبٍ مسعور ومحاصر، يطلق نداءه الأخير. أمسكت بذراعها ولويتها للخلف. أمسكت بها كساترٍ ووقفت. وصرت أجرها للخلف. تخبرني بأن لا أذعر، وبأن الأمر مجرد سوء تفاهمٍ. بدأ الناس برمي العلب الفارغة والحجارة عليّ، ولم أستطع أن أصدها عن نفسي. تركت نور وصرت أجري دون وعيٍ. وقبل أن أصل الطريق كانت الشرطة والناس قد وصلوني. ماذا تتوقعون من أحدبٍ مصاب؟ أن يطلق ساقيه للريح؟

كان شعور السلاح الكهربائي في جسدي منعشًا، شعرتُ لوهلة بأني مليء بالحياة، ثم سرعان ما وقعت على الأرض فاقدًا وعيي. لم أعِ أي شيء بعدما سقطت. أصوات بعض العصافير تبدو مسموعة من بعيد أنظر حولي، فأجد نفسي محاطًا بحيطانٍ بيضاء، ونافذة صغيرة تطل على شجرة سرو صفراء اللون. أحاول الوقوف، فأجدني مصفد بالسرير تحتي. أصرخ بأعلى صوتي ولا مُجيب. بقيت مُمدًا على السرير لعدة ساعات قبل أن أتى أي بشري تجاه غرفتي. جاء طبيب عملاق عريض المنكبين، وضع يده على صدري ودفعني نحو الحائط، وغرز إبرة بقوة في كتفي.

شعور الانتعاش يعود مُجددًا، أجد نفسي معلقًا بين الواقع والوهم. صارت الحيطان صفراء وشجرة السرو صارة بيضاء. العصافير على الشباك تتحدث فيما بينها، وتتناقش عن سبب بقائي حيًا إلى تلك اللحظة. كل شيء يصبح بعيدًا الآن. الشاطئ يقترب. صورة أخرى جديدة. أنا ونور على الشاطئ نتجاذب أطراف الحديث. أقول لها ما فعلت حينما شعرت بالبرد، فتضحك، وتخبرني بأنني مجنون. أحاول الاقتراب منها لأطبع على خدها قُبلة، ولكن الصورة الآن تبتعد. محاصرٌ بين البعيد والقريب. لا أجدني قريبًا من نفسي ولا بعيدًا عنها. أحاول الصحو، ولكنه يبدو خيارًا بعيدًا، أحاول الغرق في إحدى خيالاتي، إلّا أن تأثير الإبرة يجعلك مثل الأقمار الصناعية حول كوكب الأرض. شادًا ومشدودًا. أحاول أن آخذ لنفسي راحة، ولكن الأمر ليس في يدي. كأن هناك قوة أكبر وأعظم مني تحاول أن تبقيني بعيدًا عنّي.

أستسلم نهاية. مُجددًا، أفقد الإحساس بالوقت والمكان. لا شيء. أصحو بعد أسبوعٍ على صوتٍ يصرخ بجانبي. كانت نـور تجلسُ وتصرخ. تصرخ بي كأنني مُجرم. أسمعها توبخني: «لماذا فعلت ذلك؟ كان بإمكاننا أن نفسر الموضوع». يصبح لون نور أصفرًا. أسمع الحيطان تتحدث وتخبرني بأني أخطأت، فأرد على نُور بأني قد أخطأت ولكن خطئي، لم يكن أني قد أمسكتك كدرع بشري، وإنما حينما صدقتكِ وخرجتُ. تنهار نور. هشّة. كنت قد بنيتُ حول نفسي قصورًا من الرمل تحميني شر الآخرين. قصورًا من الرمل عملاقة. قصورًا حمتني كثيرًا ضربات كنت في غنى عنها. جاءت نـور تحمل على عاتقها مسؤولية الخلاص وتعيش دور المنقذ. أمسكت بمضرب طويل، واستمرت في هدم القصور، قصرًا قصرًا، حتى لم يتبقى لي أي وسيلة أحتمي بها من نفسي.

توقع نـور أوراق خروجي، تحملني على كتفها ونتوجه إلى سيارة أجرة تنتظرنا عند باب مستشفى الأمراض النفسية. أحاول التحديق في كل ما حولي الآن إلّها. أفتح الشباب وأغلقه كطفلٍ. أحدق في عيون المارة. لا أحد يأبه، كلهم يستمرون في حياتهم. في الطريق، تخبرني بأنها ستعيدني إلى بيتها لا إلى بيتي مُدّعية بأن هذا سيكون أفضل لي في المرحلة القادمة. أُصرّ على السائق أن يتجه إلى بيتي. تبكي نُور مُجددًا. من رمى بها عليّ؟ يصل السائق إلى البيت، ولكن؟ لا بيت هُنا! أنزل من السيارة عبثًا أبحث عن بيتي ولا أجده. وجدت يافطة معلقة، تقول بأنه تم هدم البيت بأمرٍ من البلدية. نظرتُ إلى نُور، هربت من نظراتي. صرخت بها. فأخبرتني بأن البلدية قد حصلت على أوراق تفيد بعدم سلامتي العقلية مما يخوّلها تجاوز الأمر الإخلاء وهدم البيت دون إذنٍ. لم أشعر يومًا بهذا الخواء. خواء قاتل وطاقة كبيرة. شعرتُ بالحقد يتقدُ فيّ. أمسكت برأس نُور وصدمته في السيارة أكثر من عشرين مرة. رأيت الدم يسيل من رأسها، ورأيت عينيها تتقلب. استمررت في ضرب رأسها حتى تأكدت أن لا شيء بقي. عندما رأى السائق ما فعلتُ، حاول الهرب، إلا أني سحبته من السيارة وضربت رأسه بزجاجة كانت على جانب الطريق. ركبتُ في السيارة وسرتُ بها مُسرعًا. توجهت إلى طريق البحر. صعدت الطريق المرتفع المؤدي إلى تلة «العشاق» المواجهة للبحر. ضغطت على دعسة البنزين أكثر وأكثر. حطمت السوُر على التلة، وحلّقت السيارة عاليًا قبل سقوطها المدوّي في البحر. كان كل شيء يسير بسرعة، إلا أني رأيت كل شيء يمر أمامي بالتصوير البطيء. بيتي يعود قائمًا. حياتي لا تعود كما هي. رأيتُ والدي في الأفق، كان يضحك ساخرًا، لم آبه. رأيت رئيس البلدية وتعتلي وجهه ابتسامة نصرٍ، كانت هذه الابتسامة هي أسوأ ما حصل معي اليوم. تصطدم السيارة بصفحة الماء. أشعر بأن عمودي الفقري قد دخل في رأسي. الآن فقط هجم الموج على بقايا قصور الرمل. الآن فقط اختفت كل الآثار. الآن فقط لم أعد موجودًا كما كنت أرغب. الآن فقط أشعر بالهزيمة من كل شيء، حتى من نفسي. الآن فقط… الآن فقط.

التصنيفات :قصص قصيرة (تأليف)

التاريخ المظلم لهيمنة الذكاء.. إبادة الأغبياء

طالما اُستخدم الذكاء كوسيلة لتبرير الهيمنة والدمار. لا عجب أننا نخاف من الروبوتات الذكية.

عندما كنت أعيش في إنكلترا في النصف الأخير من القرن العشرين، كان الذكاء موضوعًا جدليًا وكبيرًا. وعندما كان عمري 11 سنة، خرج عشرات الآلاف من الناس إلى المكاتب ليقدّموا اختبار الذكاء المعروف باسم 11 Plus.

وطبعًا كانت نتائج هذه الاختبارات ستحدّد مصير الطلاب. من منهم سيذهب إلى المدارس الثانوية ثم إلى الجامعة، ومن منهم سيذهب إلى المدارس المهنية ليتعلّم مهارة معينة ويقوّي نفسه فيها لتصير له صنعة، ومن منهم سيذهب إلى المدارس الثانوية الحديثة ويعبئ رأسه بالأساسيات والعموميات ثم ينتقل بعدها للعمل اليدوي ضعيف الدخل.

كان عمر “فكرة” أن الذكاء يمكن قياسه تمامًا مثل قياس ضغط الدم تقريبًا قرنا كاملا، عندما قرّرت أنا أن آخذ هذا الاختبار والذي منوط بهِ تقرير مصيري في هذا العالم. ولكن فكرة أن الذكاء يمكنه أن يحدّد مكان الشخص في الحياة، كان عمرها أكبر من ذلك بكثير. فالفكرة تجري مجرى الدم في الوريد لدى الحضارة الغربية، وذلك من فلسفة أفلاطون وصولًا إلى سياسات رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي. نحن حينما نقول إن فلان ذكي وفلان ليس ذكياً، فنحن لا نقوم فقط بالتعليق على مَلكَاتهم العقلية، وإنما نطلق أحكامًا عما هو مسموح لهم أن يفعلوه وما هو غير مسموح. فالذكاء في نهاية المطاف، أمر سياسي.

أحيانًا يكون تصنيف الناس حسب الذكاء أمرًا معقولًا، فنحن بحاجة إلى أطباء ومسؤولين حكوميين أذكياء وليس أغبياء، ولكن هناك جانب مظلم وشرير لهذه الفكرة. فبالقدر التي أتاح للناس أن يعرفوا ما يمكن أن يقوموا بهِ، إلا أنه -أي الذكاء- قد استُخدم ليعطي الآخرين القرار لفعل ما يشاؤون بمن هم أقل منهم ذكاءً. وطوال التاريخ الغربي، استُعمر أولئك الذين يعتبرون “أقل ذكاءً”، واستُعبدوا وقُتلوا بناءً على الحكم المطلق عليهم بأنهم أقل ذكاءً (وفي بعض الأحيان، كان يتمّ أكل الأقل ذكاءً، إذا أدرجنا الحيوانات غير البشرية طبعًا في الحسبان).

وهذا الأمر بالطبع ليس جديدًا، وإنما قديم قدم الإنسان نفسه، ولكن المشكلة دخلت منعطفًا جديدًا مثيرًا للاهتمام في القرن الواحد والعشرين مع نهوض ثورة الذكاء الاصطناعي AI. وفي السنوات الأخيرة، أُحرز الكثير من التقدّم في مجال بحوث الذكاء الاصطناعي، بل وانتعش هذا المجال بشكلٍ كبير، ويعتقد خبراء في هذا المجال أن هذه الإنجازات ستقود في المستقبل لما هو أكثر من ذلك. أما الخبراء السياسيون، فهم خائفون ومتشوّقون، وينشرون على “تويتر” تغريدات مع إشارات كثيرة إلى فيلم “المبيد”. ولفهم لماذا نهتم ولماذا نخاف من الذكاء الاصطناعي، فإن علينا أن نفهم وأن ننظر للذكاء على أنه مفهوم سياسي، وعلى وجه الخصوص تاريخه الطويل كمبرّر للهيمنة.

مصطلح “الذكاء” في حد ذاته لم يكن شعبيًا بين فلاسفة اللغة الإنكليزية. كما أنه لا توجد له أي ترجمة مباشرة إلى الألمانية أو اليونانية القديمة، وهما من اللغات الكبرى الأخرى في التقليد الفلسفي الغربي.

وهذا طبعًا لا يعني أن الفلاسفة لما يكونوا مهتمّين بهِ، في الواقع، لقد كان الفلاسفة مهووسين بالذكاء أو على الأقل بجزءٍ منه، ألا وهو العقل أو العقلانية. وقد نجح مصطلح “الذكاء” في اكتساح سوق الخطاب الشعبي والسياسي فقط مع ظهور التخصّص الجديد نسبيًا في علم النفس والذي يُدعى الذكاء. وعلى الرغم من أن العديد من العلماء اليوم يدّعون إيجادِ فهم أوسع للذكاء، إلا أن العقل لا يزال جزءًا أساسيًا منه. ولذلك فعندما أتحدّث عن الدور الذي لعبه الذكاء تاريخيًا، فأنا أتعمد أن أشمل العقل أيضًا.

تبدأ قصة الذكاء مع أفلاطون. حين قال في كل كتاباته، إنه ينسب قيمة عالية جدًا للتفكير، معلنًا (من خلال فم سقراط) أن الحياة التي لم تجرّب هي حياة لا تستحق العيش. نشأ أفلاطون في عالم غارق في الأسطورة والتصوّف ليطالب بشيء جديد: أن الحقيقة عن الواقع يمكن أن تنشأ من خلال العقل، أو ما قد نعتبره اليوم أحد تطبيقات الذكاء. وهذا طبعًا قاده إلى خلاصة، وهي في جمهوريتهِ، أن الحاكم المثالي، هو الفيلسوف الملك، على اعتبار أن الفلاسفة هم الوحيدون القادرون على تنظيم وإدارة الأشياء. وهكذا أطلق الفكرة القائلة بأن الأذكى يجب أن يحكم البقية، أو ما يطلق عليهِ الجدارة الفكرية (استحقاقراطية فكرية).

وقد كانت هذه الفكرة ثورية في ذلك الوقت. فأثينا، كانت قد جرّبت بالفعل حكم الديموقراطية أو كما تسمّى بحكم الناس، ولكن لتكون أحد هؤلاء الناس، فإن عليك أن تكون رجلًا ومواطنًا وليس بالضرورة أن تكون ذكيًا. في الوقت نفسه، كانت الطبقات الحاكمة في باقي أنحاء العالم، تتكون من النخبوية الموروثة (الأرستقراطية) أو من أولئك الذين يعتقدون بأنهم تلقوا تعليمات إلهية تعطيهم حق السلطة للحكم بما أنزل الإله (الثيوقراطية) أو ببساطة من الأقوى (الطغيان).

سقطت فكرة رواية أفلاطون على آذان المفكّرين المتلهّفين، بمن فيهم تلميذه الخاص أرسطو. ولطالما كان أرسطو فيلسوفًا عمليًا ونظاميًا مقارنة بمعلمه أفلاطون، حيث أخذ مفهوم سيادة العقل واستخدمه لتأسيس ما يعتقد بأنه سلم هرمي اجتماعي طبيعي. وأوضح في كتابة السياسة: “قانون أن البعض يجب أن يَحكُم والبقية يجب أن يحكموا ليس مجرّد أمر ضروريٍ وحسب، بل أمر مناسب وموجود في الطبيعة، فمن لحظة ميلاد الأطفال، بعضهم يَكتب مصيرهم بأن يكونوا خاضعين، وبعضهم يكتب مصيرهم بأن يكونوا حكّاما يخضع لهم الآخرون”.

وما يميّز الحاكم هو امتلاكه لـ “عنصر العقلانية”. وأكثر الناس المتعلّمين هم الرجال، وبالتالي، فمن حقهم أن يحكموا النساء، “وأن يحكموا أيضًا أولئك الذين يدور عملهم حول استخدام “جسمهم” في العمل لأنهم عبيد بحكم طبيعة عملهم”. وأسفل الهرم الغذائي، لا تزال هناك الحيوانات غير البشرية، وغير الذكيّة والتي ستكون في حالٍ أفضل لو حكمها الإنسان.

وحتى في فجر الفلسفة الغربية، تم تعريف الذكاء بصفات مثل أن يكون الشخص “إنسانا أوروبيا متعلّما وذكَرا”. وأصبح الذكاء بعدها حجّة عند أرسطو يستخدمها لفرض الهيمنة على النساء والطبقات الدنيا والشعوب غير المتحضّرة والحيوانات. في حين أن أفلاطون ناقش وناظر لصالح سيادة العقل ووضعه ضمن طوباوية غير متجانسة نوعًا ما، إلا أنه وبعد جيل واحد فقط، قدّم أرسطو أطروحتهِ حول أن الحاكم يجب أن هو الرجل المفكّر كأطروحة واضحة وطبيعية.

نحن في غنى عن القول، وبعد مرور أكثر من 2000 سنة، إن قطار الفكر الذي بدأه هؤلاء الرجال لم يخرج عن مساره حتى الآن. وقد قال الفيلسوف الأسترالي الراحل والمحافظ فال بلوموود إن عمالقة الفلسفة اليونانية قد أسّسوا السلسلة من الثنائيات المرتبطة التي لا تزال تُفِيدُ (أو تقيد – ملاحظة المترجم) فكرنا وتفكيرنا.

وكل الصفات المتناقضة مثل الذكاء والغباء، والعقلانية والعاطفية، والعقل والجسد، ترتبط مع بعضها بشكل ضمني أو صريح مثل الذكر والأنثى، الإنسان المتحضّر والإنسان البدائي، والإنسان والحيوان. هذه الثنائيات ليست ذات قيمة محايدة، ولكنها تقع ضمن ثنائية أوسع كما يوضح أرسطو: ثنائية المهمين والخاضع أو ثنائية السيد والعبد. وهاتان الثنائيتان معًا تجعلانِ علاقات الهيمنة مثل البطريركية أو العبودية تبدو وكأنها جزء من الترتيب الطبيعي للأشياء.

وينظر للفلسفة الغربية في شكلها الحديث، بأنها تبدأ من عند الفيلسوف رينيه ديكارت، والذي على عكس أرسطو، لم يسمح بوجود استمرار لفكرة أن الحيوانات أقل ذكاءً، من… بل قال بأنها معدومة الذكاء تمامًا، حيث آمن بأن الإدراك عمل ووظيفة الجنس البشري. لقد كان ديكارت يعكس أكثر من ألف عام من اللاهوت المسيحي، الأمر الذي جعل الذكاء ملكا للروح وللشرارة الإلهية المحفوظة فقط لأولئك المحظوظين بما فيه الكفاية ليخلقهم الله على صورتهِ. جعل ديكارت الطبيعة عديمة للجدوى حرفيا، وهكذا تخلو من القيمة الجوهرية، وهو ما أدى إلى إضفاء الشرعية على القمع الخالي من الذنب للأنواع أخرى.

وفكرة أن الذكاء هو ما يعرّف الإنسانية استمرت حتى عصر التنوير. وقد اعتنق إيمانويل كانط هذه الفكرة بحماسة، ولربما يكون الفيلسوف الأخلاقي الأكثر تأثيرًا منذ الفلاسفة القدماء. وبالنسبة لكانط، فإن المخلوقات المنطقية/ العقلانية هي الكائنات ذات المسؤولية الأخلاقية. فالكائنات المنطقية/ العقلانية تسمى “الأشخاص” وهي “في حدّ ذاتها غايات”. أما الكائنات غير المنطقية/ العقلانية فقيمتها الوحيدة هي في أن تكون “وسائل” نسبيًا، وتسمى “الأشياء”، ويمكننا أن نفعل بها ما نريد.

وللكائن المنطقي/ العقلاني، بالنسبة لكانط، والذي نطلق عليه نحن اليوم “الكائن الذكي”، قيمة وكرامة لانهائية، في حين أن الكائن غير العقلاني/ المنطقي أو الكائن غير الذكي لا يملك أي كرامة ولا أي قيمة. وحجج كانط معقدة جدًا، ولكنه نهايةً يصل لنفس النتيجة التي توصل لها أرسطو: هناك سادةٌ بحكم الطبيعة وهناك مسودون بحكم الطبيعة، والذكاء هو ما يفرّق بينهم.

وقد امتد هذا الخط الفكري ليصبح جزءًا أساسيًا من منطق الاستعمار. كانت الحجّة كالآتي: لم يكونوا من العرق الأبيض وأقل ذكاءً من العرق الأبيض، وبالتالي، فقد كانوا غير مؤهّلين ليحكموا أنفسهم وأرضهم. وبالتالي، فإن الاستعمار كان شرعيًا جدًا، بل حتى كان واجب الرجل (عبء الرجل الأبيض) أن يدمّر ثقافتهم ويأخذ أراضيهم. وبالإضافة إلى ذلك، ولأن الذكاء يعرّف الإنسانية، وبحكم كون هذه الشعوب أقل ذكاء، فإنها بدورها كانت أقل إنسانية (بالنسبة للمستعمر طبعًا). وبالتالي، فإنهم لا يتمتعون بمكانة أخلاقية كاملة ولذلك كان من الجيد جدًا قتلهم أو استعبادهم.

وطبق المنطق نفسه على النساء اللواتي اعتبرن طائشات وعاطفيات وبالتالي لا يمكنهن التمتّع بالامتيازات الممنوحة “للرجل العاقل”. في بريطانيا في القرن التاسع عشر، كانت النساء يحصلن على حماية أقل مما تحصل عليهِ الحيوانات الأليفة بموجب القانون، كما أظهرت المؤرخة جوانا بورك في جامعة بيركبيك في لندن. ولعله ليس من المستغرب إذًا، بعد أن رأينا ما رأينا، ظهور اختبارات ذكاءٍ رسمية والتي استخدمت لعدة عقود لتعزيز اضطهاد المرأة بدلًا من القضاء عليهِ.

عادة ما يتمّ تعريف السير فرانسيس غالتون بـ منشئ القياس النفسي (علم قياس القدرات العقلية)، إذ ألهمه كتاب أصل الأنواع الذي كتبه قريبه تشارلز داروين. وقد قاد هذا غالتون للاعتقاد بأن القدرة الفكرية أمرٌ وراثي ويمكن تعزيزه من خلال التربية الانتقائية.

قرّر غالتون أن يجد طريقة ليحدّد أكثر أفراد المجتمع الذين لديهم قدرة فكرية بطريقة علمية، وتشجيعهم على التناسل مع بعضهم بعضاً. وحسب رأيهِ، فإن الأشخاص ذوي القدرات الفكرية الأقل، لا يجدر بهم التكاثر، بل يجب منعهم من أجل استمرار نوعنا. وهو ما أدى لاحقًا إلى ظهور علم تحسين النسل واختبارات الذكاء. في العقود التالية، تم تعقيم أعداد هائلة من النساء في أوروبا وأميركا بالقوّة بعد حصولهن على علامة ضعيفة في مثل هذه الاختبارات، ووصل عدد النساء إلى مئتي ألف في كاليفورنيا وحدها.

وقد استخدمت مقاييس الذكاء لتبرير بعض أفظع الأعمال البربرية في التاريخ. ولكن لطالما كان حكم العقل من ينتقده أيضًا. فمن ديفيد هيوم إلى فريدريك نيتشه، ومن سيغموند فرويد إلى ما بعد الحداثة، هناك الكثير من التقاليد الفلسفية التي تتحدّى فكرة أننا أذكى مما نود أن نعتقد، وتتحدّى فكرة أن الذكاء هو الفضيلة الأعلى.

لقد كانت الجدارة الفكرية دائمًا طريقة واحدة فقط لحساب للقيمة الاجتماعية إلا أنها كانت مؤثّرة للغاية. ويستند الدخول إلى بعض المدارس والمهن، مثل الخدمة المدنية في المملكة المتحدة، إلى اختبارات الذكاء، ولكن مجالات أخرى تؤكّد صفات مختلفة، مثل الإبداع أو روح الريادة. وعلى الرغم من أننا قد نأمل أن يكون موظفونا العموميون أذكياء، إلا أننا لا نختار دائمًا انتخاب أذكى السياسيين.

وبدلًا من تحدّي التسلسل الهرمي للذكاء على هذا النحو، ركز العديد من النقّاد على مهاجمة الأنظمة التي تسمح للنخبة البيضاء الذكورية بالظهور والحصول على أعلى الرتب. امتحان 11 Plus الذي سبق تقديمه، كان مثيرًا للاهتمام ومبهجًا عميقًا ومعبّرًا عن واحد من هذه الأنظمة. كان الغرض منه تحديد الشباب الأذكياء من جميع الطبقات والمعتقدات. ولكن، في الواقع، أولئك الذين اجتازوا الامتحان، كانوا كلّهم من الطبقات المتوسّطة البيضاء ذات الموارد الأفضل، التي وجد أعضاؤها أنفسهم يعيدون تطوير أنفسهم في مناصبهم ومصالحهم.

لذلك عندما نفكر في كيفية استخدام فكرة الذكاء لتبرير الامتياز والسيطرة خلال أكثر من ألفي سنة من التاريخ، أليس من المستغرب أن تملأنا الآفاق الوشيكة للروبوتات فائقة الذكاء بالفزع؟

من عام 2001 ومن أوديسا الفضاء إلى سلسلة أفلام المبيد، لقد تخيّل الكُتّاب وكتبوا حول ارتقاء الآلة وطغيانها ضدّنا. والآن يمكننا أن نرى السبب وراء ذلك. لأننا لو كنا معتادين على الإيمان بأن المناصب العليا في المجتمع يجب أن تذهب للأذكى، فسنعتبر أنفسنا “مفصولين من العمل” أمام الروبوتات فائقة الذكاء، وسيتمّ ارسالنا إلى أسفل الهرم (هرم الذكاء). وإذا كنا نؤمن بأحقية الأكثر ذكاء في استعمار الأقلّ ذكاء، فلا غرو ولا عجب إذن أن نخشى أن يتمّ استرقاقنا من الآلات فائقة الذكاء التي خلقناها نحن. وإذا كنا نبرّر مواقفنا الخاصّة حيال السلطة والازدهار بحكم فكرنا، فمن المفهوم أن نرى الذكاء الاصطناعي المتفوق تهديدًا وجوديًا.

يقول العالم التكنولوجيّ كيت كراوفورد أن هناك ما يفسر هذا الخطاب المتعالي لدينا، ذلك أن الخوف من الذكاء الاصطناعي الشرير يبدو سائدًا فقط بين الرجال الغربيين البيض. في حين أن المجموعات العرقية الأخرى قد تعرضت لتاريخ طويل من الهيمنة من قبل طغاة جعلوا من أنفسهم أسيادًا عليهم، بل وما زالت تقاتل ضد طغاة حقيقيين حتى اليوم. ولكن الرجال البيض اعتادوا أن يكونوا في القمة في كل شيء. وبالتالي، فإنهم سيفقدون الكثير إذا ما وصلت كيانات جديدة تتفوق في ذات المناطق التي استخدمت تمامًا لتبرير تفوق الذكور.

أنا لا أقصد أن أقترح أن كل قلقنا حول الذكاء الاصطناعي الشرير هو شيء لا أساس له من الصحّة. هناك مخاطر حقيقية مرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي المتقدم (فضلا عن الفوائد المحتملة الهائلة). ولكن أن نتعرض للاضطهاد بواسطة الروبوتات بنفس الطريقة التي تعرّض فيها سكان أستراليا الأصليون للاضطهاد من المستعمرين الأوروبيين، ليس من ضمن المخاطر الرئيسية التي يجدر بنا أن نخاف منها.

علينا فعليًا أن نقلق حيال ما يمكن أن يفعله البشر حين يمتلكون هذا الذكاء الاصطناعي بدلًا من الذكاء الاصطناعي نفسه. ونحن كبشر، من المحتمل أن نجعل الذكاء الاصطناعي يقاتل بعضه بدلًا من أن نجعله معتمدًا على نفسهِ. وكما هو الحال في خرافة “صبي الساحر”، فإن الذكاء الاصطناعي إذا تسبّب بأي ضرر لنا، فمن الأرجح أن يكون هذا لأننا أعطيناهم حسن النيّة، ولكن بطريقة سيئة في التفكير للوصول إلى الأهداف، وليس لأنهم يرغبون في قهرنا. ولا يزال الغباء الطبيعي حتى الآن هو الخطر الأكبر الذي يهدّد وجودنا أكثر من الذكاء الاصطناعي.

من المثير للاهتمام التكهّن حول كيفية عرض نهوض الذكاء الاصطناعي إذا كان لدينا رأي مختلف عن الذكاء. اعتقد أفلاطون أن على الفلاسفة أن يسعوا لكي يصبحوا ملوكًا لأنهم بالعادة يدرسون ويتأملون كيفية السيطرة على الإنسان. وتقاليد أخرى مختلفة من الشرق، ترى أن الشخص الذكي هو ذلك الذي يزدري السلطة والشخص الذي يترفّع بنفسهِ عن التفاهات والقضايا اليومية التي تمس الناس العاديين.

تخيّل لو كانت هذه الآراء واسعة الانتشار: إذا اعتقدنا جميعا أن الناس الأكثر ذكاءً، ليسوا أولئك الذين يدّعون الحق في الحكم، ولكن أولئك الذين ذهبوا للتأمل في الأماكن النائية لتحرير أنفسهم من الرغبات الدنيوية؛ أو إذا كان الأكثر ذكاءً هم أولئك الذين عادوا لنشر السلام والتنوير. هل كنا لنخشى الروبوتات الأكثر ذكاءً منا؟


المصدر

 

التصنيفات :تدوينات عَامة

ذات الرداء الأحمر (مجموعة قصص ما قبل النوم الصحيحة سياسيًا)

ذات الرداء الأحمر

هذه القصة من مجموعة قصصية بعنوان: “قصص ما قبل النوم الصحيحة سياسيًا، والتي سأعمل على ترجمة قصة منه كل أسبوع. القصص للكاتب الأميركي  فين غارنر.

  • ليلى ذات الرداء الأحمر

كان يا ما كان، في قديم الزمان، فتاة تدعى ذات الرداء الأحمر، وكانت تعيش مع والدتها على طرف غابة ما. وذات نهار، طلبت منها أمها أن تذهب إلى جدتها لتعطيها سلة مليئة بالفواكه والمياه المعدنية، ليس لأن هذا عمل امرأة[1]، وإنما لأن الفعل كان سخيًا ويساعد في تكوين شعور بالمجتمع. وأيضًا، لم تكن جدتها مريضة، بل كانت في حالة صحية جسدية ونفسية سليمة، وكانت قادرة على الاهتمام بنفسها لوحدها دون أن تحتاج مساعدة أي أحد مثل أي بالغ آخر.

انطلقت ذات الرداء الأحمر إلى الغابة. بعض الناس كانوا يعتقدون أن الغابة مكان خطر ومحرم ولم يخطو أي خطوة فيها. ولكن ذات الرداء الأحمر كانت واثقة في جنسانيتها الناشئة ولم يرهبها التصوير الفرويدي.

وفي طريقها إلى بيت جدتها، دنا منها ذئب وسألها ماذا تحمل في السلة. فأجابت: “بعض المأكولات السريعة الصحية لجدتي، والتي تستطيع الاهتمام بنفسها لوحدها دون أن تحتاج مساعدة من أي أحد مثل أي بالغ آخر”.

قال الذئب: “أتعلمين يا صغيرتي؟ المكان ليس آمنًا في الغابة لفتاة صغيرة لتعبرها لوحدها”.

أجابته، “إن تعليقك العنصري (الذكوري) هذا مهينٌ إلى أبعد الحدود، ولكني سأتجاهله نظرًا لوضعك الحالي كمنبوذ من المجتمع، والضغط الموضوع عليك من هذا الأمر دفعك لتخلق منظورًا خاصًا بك تحكم من خلاله على الأخرين ولا يرى صحته أحدٌ غيرك. والآن إذا سمحت، سأكمل طريقي”.

استمرت ذات الرداء الأحمر في طريقها إلى بيت جدتها. ولكن، ولأن للذئب وضعه المنبوذ من المجتمع قد حرره من التمسك السلبي بالفكر الخطي الغربي، فقد عرف طريقاً أسرع إلى بيت الجدة. اقتحم الذئب البيت وأكل الجدة وهو فعل مبرر نظرًا لأنه آكل لحوم. بعد ذلك، وبدون المفاهيم التقليدية الصارمة لما هو ذكوري أو أنثوي، لبس الذئب ملابس الجدة ثم دلف إلى سريرها.

دخلت ذات الرداء الأحمر إلى كوخ جدتها وقالت: “لقد أحضرت لكِ بعض المأكولات الخالية من الدهون ومن الصوديوم لأحييك على دوركِ كأمٍ حكيمة وجيدة الرعاية.

قال الذئب بصوت ناعمٍ من السرير: “اقتربي أكثر يا صغيرتي حتى أراك”.

فردت ذات الرداء الأحمر: “أوه، أنا آسفة، لقد نسيت أن بصرك ضعيف مثل الخفاش. جدتي؟ لماذا عيونك كبيرة جدًا؟”

“هذا لأنها قد رأت الكثير وعفت عن الكثير يا عزيزتي”.

“جدتي، لماذا أنفك كبير جدًا -نسبيًا وهو جذاب على ما هو عليهِ؟”

“هذا لأنه قد اشتم الكثير وعفا عن الكثير يا عزيزتي”.

“جدتي، لماذا أسنانك كبيرة هكذا؟”

فقال الذئب: “أنا سعيد على ما أنا عليهِ وبما أنا عليهِ”، ثم قفز من السرير. أمسك ذات الرداء الأحمر بمخالبهِ هو ينوي التهامها. صرخت ذات الرداء الأحمر، ليس بسبب ميل الذئب لارتدائه ملابس غريبة وإنما لأنه قد تجاوز مساحاتها الشخصية.

سمعَ قطاع خشب (أو فني وقود كما يحب أن يسمي نفسه) قريب صراخها. عندما دخل إلى الكوخ، رأى مشاجرة هناك وحاول التدخل، ولكنها حينما رفع فأسه عاليًا، توقف الذئب وذات الرداء الأحمر.

“ماذا تظن نفسك فاعلًا؟” سألت ذات الرداء الأحمر.

ارتد إلى قطاع الخشب جفنه، وحاول الإجابة، لكن لم تخرج أي كلمة من فمهِ.

“اقتحمت علينا المكان مثل إنسان النياندرتال واثقًا من سلاحك ليفكر عنك،” أضافات، “أيها العنصري الذكوري التمييزي النوعي، كيف لك أن تفترض أن النساء[2] والذئاب لا يمكنهما حل مشاكلهما لوحدهما دون الحاجة إلى مساعدة أي ذكر؟”

عندما سمعت الجدة خطاب ذات الرداء الأحمر المبجل، قفزت خارجة من فم الذئب، ثم سحبت الفأس من يد قطاع الخشب، ثم قطعت بهِ رأسه. بعد ما حصل، شعرت ذات الرداء الأحمر والجدة والذئب أن لهم نفس الهدف، وقرروا أن يعيشوا في بيتِ جديدٍ قائم على الاحترام المتبادل والتعاون وعاشوا مع بعضهم البعض في الغابة سعادة أبدية.

 

ترجمة: أنس سمحان


[1] Womyn: هي طريقة تستخدمها النسويات في كتابة كلمة امرأة باللغة الإنجليزية بحيث لا تحتوي على كلمة Men في الجزء الأخير من الكلمة.

[2]  Womyn

رصاصة في الدماغ (قصة قصيرة)

 

bulletinthebrain1

كتابة: توبياس وولف. كاتب قصة القصيرة أمريكي وكاتب مذكرات وروائي، وهو معروف بمذكراته حياة هذا الصبي (1989) وفي جيش فرعون (1994). وقد كتب مجموعتين قصصيتين قصيرتين، بما في ذلك (The Barracks Thief (1984، والتي فازت بجائزة PEN/Faulkner للأدب.

ترجمة: أنس سمحان

لم يكن باستطاعة أندرس الوصول للبنك إلا قبل إغلاقه بقليل، وبالطبع، كان الطابور طويلًا وعلق بين امرأتين مزعجتين ويتحدثن بصوتٍ عالٍ مما جعله في مزاج يدفعه للقتل. لم يكن أندرس أبدًا في مزاج جيدٍ على كل حال. أندرس ناقد كتبٍ معروف بشدته ووحشيته الأنيقة التي استخدمها ضد كل كتاب كتب عنه مراجعة ونقده.

ومع أن الطابور ما زال طويلًا إلا أن إحدى موظفات التيلرات وضعت يافطة “مغلق” ثم سارت إلى داخل البنك وانحنت على أحد المكاتب وجلست تضيع الوقت مع شخص يرتب الأوراق. المرأتان أمام أندرس توقفتا عن الحديث وحدقتا في المرأة التي تركت التيلر بحقد. قالت إحداهن: “أوه، هذا لطيف”. التفتت إلى أندرس وأضافت وهي واثقة من اتفاقه: “هذه واحدة من تلك اللمسات الإنسانية الصغيرة التي تمنعنا من العودة للمزيد.” قراءة المزيد…

المخيم الهندي (قصة قصيرة)

maxresdefault (1)

تأليف: إرنست همنغواي

ترجمة: أنس سمحان

كان هناك زورق آخر جاهز على شاطئ البحيرة، وكان هناك هنديان بالانتظار. جلس نيك ووالده على مؤخرة القارب، وقام أحد الهنود بدفع القارب إلى البحيرة بينما بدأ الآخر بالتجذيف. جلس العم جورج على مؤخرة قارب المخيم. دفع شاب هندي القارب ثم قفز ليجذّف مع العم جورج.

بدأ القاربان يسبحان في الظلام. سمع نيك صوت مجاذيف القارب الآخر وتناهى إلى ذهنه أنهم أمامهم في الضباب. جذف الهنود تجذيفات متقطعة وسريعة. استلقى نيك وذراع والده حوله.  كانت المياه باردة. والهندي الذي كان يجذف قاربهم، كان يجذّف بجد وبقوة إلا أن القارب الآخر كان يسبقهم طوال الطريق. قراءة المزيد…

عن الأصول الاشتراكية لليوم العالمي للمرأة

image.img

ترجمة: أنس سمحان

في عام 1894، استغلت كلارا زيتكين صفحات المجلة النسائية الديمقراطية الاجتماعية داي غليتشيت (Equality)، والتي أسستها قبل ثلاث سنوات، لتوجه أصابع الاتهام ضد التيار الرئيسي للحركة النسائية الألمانية. كتبت زيتكين: “إن الحركة النسوية البرجوازية وحركة النساء البروليتاريات حركتان اجتماعيتان مختلفتان جوهريًا”.

وحسب زينتكن، فإن النسويات البرجوازيات ضغطن من أجل إيجاد إصلاحات من خلال صراع بين الجنسين وضد رجال طبقتهم دون التشكيك بوجود الرأسمالية نفسها. وعلى النقيض من ذلك فقد سعت النساء العاملات من خلال صراع الطبقة ضد الطبقة وحاربن معركة مشتركة مع رجال طبقتهن من أجل تجاوز الرأسمالية.

قراءة المزيد…

التصنيفات :تدوينات عَامة

مكان نظيف وجيد الإضاءة (قصة قصيرة)

 

57463946_1280x720

تأليف: إرنست همنغواي

اختيار وترجمة: أنس سمحان

كان الوقت متأخرًا، وكل من في المقهى كانوا قد غادروه باستثناء رجل عجوزٍ كان يجلس في ظل أوراق شجرة ناتج عن ضوء كهربائي. في النهار، تكون الشوارع مغبرة، لكن حينما يحل الليل، تثبت قطرات الندى الغبار في الشارع وكان الرجل العجوز يحب الجلوس لوقت متأخرٍ لأنه كان أصمًا ولأن الهدوء يشعره بأنه مختلف. كان النادلان في داخل المقهى يعرفان بأن العجوز مخمور قليلًا، وعلى الرغم من أنه زبون جيد، إلا أنهما يعرفان أيضًا بأنه حين يكون مخمورًا زيادة عن اللازم، يغادر دون أن يدفع، ولهذا كانا يراقبانه عن كثب. قراءة المزيد…

جورج أورويل: أربعة دوافع للكتابة

tumblr_static_tumblr_static_3tndrjbys2kg0o88ksgk4sskg_640

جورج أورويل

عرفتُ بأني أريد أن أصبح كاتبًا في سنٍ مبكرة جدًا. ربّما من عمر الخامسة أو السادسة. وفي الفترة بين عمر السابعة عشرة والرابعة والعشرين، حاولت أن أترك الإيمان بهذه الفكرة وأن أترك الكتابة، وفعلت ذلك بإيماني بأني أفعل ما هو ضد طبيعتي الحقيقية، وبأني سأستقر لاحقًا وأتراجع وأبدأ كتابة الكتب.
كنت الابن المتوسط لعائلتي من بين ثلاثة أطفال؛ ولكن كانت هناك فجوة عمرية بين أخويّ الأكبر مني والأصغر مني تقدّر بخمس سنين. وبالكاد أتذكّر رؤيتي لوجهِ والدي قبل عمر الثامنة. كل هذه الأشياء ساهمت في جعلي أنمو وحيدًا.
مع مرور الوقت، جعلت سلوكياتي، غير المقبولة، مني طفلًا مغمورًا وغير ملاحظٍ في المدرسة. تطورت لدي مع مرور الوقت العادة التي يمتلكها أي طفل وحيد، ألا وهي عادة اختلاق القصص وإجراء المحادثات مع الأصدقاء المُتخيّلين. أعتقد بأنه ومنذ البداية كانت طموحاتي الأدبية مضطربة وممتلئة بالشعور بالوحدة والعزلة وتقليل القيمة. علمت أيضًا أن لدي ملكة الكلمات والقوة الكافية لمواجهة الحقائق غير السارة، وشعرت بأن هذين الشيئين قد أعطياني القدرة على خلق عالمٍ خاصٍ بي. عالم أستطيع أن أنتقم فيه لنفسي على إخفاقاتي وفشلي في الحياة اليومية العادية.

قراءة المزيد…

موت الليبرالية

 

Liberalism.jpg

اختيار وترجمة: أنس سمحان

“تشير ليبرتارية[1] مجتمع التقنية بوادي السيليكون إلى تشكّل فاشية يسارية خطيرة في القرن الحادي والعشرين”

الليبرالية ميتة، مثل الأشكال التاريخية الأخرى الميتة، كالمسيحية أو السينما، وها هي الآن تتحرك مثل الزومبي في جميع الأنحاء وتستمر في تحديد حياة الناس وتسيطر على القوة المادية. ولكن مكانها في مزبلة التاريخ صار محجوزًا قطعيًا. فلا مستقبل لها، وصار الأمر الآن مرهونًا بالفترة التي ستقضيها وهي تغادر ببطيء من حياة سكان الكوكبِ إلى أن تصير بدون فائدة.

إن الليبرالية وشكلها الحكومي المفضل –الديمقراطية الليبرالية– تتجه نحو الانهيار لأن مفهوم الدولة القومية (وهو المفهوم الذي رسم الخطوط العريضة لليبرالية وأعطاها قوتها التاريخية للتشكل خلال الحروب والثورات الأوروبية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر) قد تحول من أداة ضرورية للتنمية الرأسمالية إلى عائق أمام النمو. فازت الرأسمالية بانتصار تاريخي في الحرب الباردة وانتشرت إلى أبعد مدى في العالم. لكنها فعلت ذلك في ظل أزمة طويلة من الربحية جعلت النظام العالمي يصعد على هياكل الديون واللوجستيات التفصيلية (ابتداء من سبعينات القرن الماضي). ويعتمد هذا النظام الهش على الوسائط اللحظية للانتقال العالمي والاختراق المستمر للأسواق العالمية وذلك لضمان استمرارية حركة الأموال وتداولها. ونتيجة لذلك، تصبح الحدود والدول القومية مُربحة أكثر في حال لو لم تكن موجودة. وهكذا بدأت الرأسمالية -ولتفادي زوالها- تأكل أطفالها المفضلين.

قراءة المزيد…

الإيمان بالجهل: الساسة الذين يقتبسون من الدين، لا يعرفون عن الدين شيئًا

o-RELIGION-AND-POLITICS-facebook

في عام 1802، أرسل كاتب اعلان استقلال الولايات المتحدة الأمريكية توماس جيفرسون برسالة إلى معمدانية مدينة دانبري ليخبرهم فيهم أن التعديل الأول في وثيقة الحقوق يؤسس لـ “جدارٍ يفصل” بين الدولة والكنسية (الدين). وكما جاء في نص التعديل الأول: “ألّا يصدر الكونغرس أي قانون خاص بإقامة دين من الأديان أو يمنع حرية ممارسته”.

قراءة المزيد…