قراءة في كتاب الانتقال الديمقراطي وإشكالياته لعزمي بشارة (مُراجعة بحثية)

نُشرت المقالات الأربعة لأول مرة على مجلة رمُّان الثقافية، وأنشرها هنا مُجتمعة.

يأتي هذا الكتاب للمفكر العربي عزمي بشارة استكمالًا لكتاباته السابقة منذ منتصف التسعينيات في موضوعات المجتمع المدني والمسألة الديمقراطية عربيًا وما يتفرع عنها من قضايا الجيش والسياسة والمسألة الطائفية والثورة والقومية، وهو ما جعل لنتاجه أهمية عربية أولًا، وعالمية ثانيًا.

ينطلق بشارة من مُقدّمة الكِتاب واضعًا الأسس والتعريفات، ضابطًا إياها[1]، ليعرف القارئ أو المتخصص لحظة اطّلاعهِ على الكتاب، كيف تُصاغ المفاهيم، ولتغييب أي شكل من أشكال السيولة عن المُصطلحات والمفاهيم، وبالتالي يكون العمل مثمرًا، أكثر منه جدليًا، كما جرت عادة الكتابة عنده أصلاً، في التأصيل للمفاهيم من ثمة الانطلاق إلى رحاب النظرية ونقدها وبناء جديد عليها. يُحدد الكاتب مكونات ثلاثة ضرورية للديمقراطية المُعاصرة، والتي لا تقوم قائمة للديمقراطية بدونها: 1. المُشاركة السياسية لكافة المواطنين مع ضمان المساواة في التعامل والحق في تقرير المصير. 2. حكم القانون بتحديد السلطات التشريعية والتنفيذية وذلك لمنع تعسّف القانون، وإخضاعهِ للعملية الديمقراطية. 3. ضمان الحقوق السياسية والحريات المدنية الناتجة عن المكون الثاني، كي لا يكون المكون الأول شكليًا. يخوض بعدها المؤلف في تحديد باقي التعريفات، وذلك عبر المرور التاريخي للأدبيات السابقة ومناقشتها، وإبداء أوجه النقص أو الإضافة فيها.

متابعة قراءة “قراءة في كتاب الانتقال الديمقراطي وإشكالياته لعزمي بشارة (مُراجعة بحثية)”

أن تكون العودة نبوءة

قبل أشهرٍ، وقبل سفري إلى جُورجيا، كنت أنوي زيارة غزة، لرؤية أهلي وأصدقائي والمكان لأول مرة منذ سنوات ثلاثة، ولكن لم يسعفني الوقت ولا القدر في تلك الزيارة، إلا أن بعض الأصدقاء من الدّوحة توجهوا إلى القطاع، وأرسلت معهم بعض الأشياء لعائلتي، وتمكنوا من زيارتهم في عيد الأضحى.

كتبتُ في تلك الفترة نصاً (نهاية يوليو)، ولم أنشره وقتها، وأضعه بين أيديكم الآن.

متابعة قراءة “أن تكون العودة نبوءة”

«في المتاهة وجدتنا» إلى الصديق مُهند يونس

من اليمين: أنس سمحان، محمود أبو ندى، مُهند يونس (2014)

«إلى مَن أهداني المُغامرة»، هكذا أبدأ مجموعتي القصصية الأولى «صندوق رمل»، بإهداءِ إلى صديقٍ رآني، وأهداني مع التجربة المُغامرة. وقف معي، وأدخلني في دوامات كثيرة. رآني واقفاً. صلباً. لكنه أدرك مدى هشاشاتي. أمسك بي، ورماني في متاهات عقلي. أذاقني حلو التجربة. رماني، ومشى. ثم ضعنا معًا. نهتدي بنورٍ قلبينا.

كان يعرفني، وكنت أعرفه. نخرج معًا، نجلس لأوقات طويلة، ولا نتكلم. نجلس. يُشغل فيديو لفيلسوف أو منظرٍ فرنسي. يتحدث عن الموت. أضحك أنا. لم أكن عميقاً بما فيه الكفاية. لم أعيه كما ينبغي. وكم كنت مُصيبا.

أؤمن أن مبنى شخصيتك وفكرك إذا حقق دورته الكاملة، فأنت قد استنفدت طاقة الحياة فيك. وستموت. ميتتين. الأولى تجهيزٌ للثانية، وستذهب إليه سعيداً. مفاجئاً. حتى الموت نفسه سيتفاجأ منك.

أقف الآن على حافة أخرى من حواف العالم.

ابعتدنا كثيرا.. كثير جداً. ابتعدنا خمس سنوات يا صاحبيّ.

أتذكر الآن جلستنا الأولى في جائزة وزارة التربية والتعليم. ولقاءنا الثاني، مشينا أنا وأنت ومحمود يومها، من غزة، إلى خانيونس. انقطع النفس في الطريق، فأخذنا سيارةً، وعُدنا. عُدت معي يومها، ونمت في فراشي. رأيتك ابني وقتها، ومن هنا صارت علاقات التوأم بيننا متضاربة.

خمس سنوات يا صاحبي، على جلسة الميناء، تحدثني عن خطط الهجرة، عن فرنسا تارةً، وعن بلجيكا تارةً أخرى. تضحك حزيناً. تقول لي: «ستخرجون أنت ومحمود لأنكم ستتخرجون قبلي».

انتظرتك طويلاً يا صاحبي. انتظرتك في الصحو، وانتظرتك في الحلم.

وقفتُ على حافة العالم الأولى. عند قبرك. قبل أعوام ثلاثة. ناديتك. وسمعتني، وكان هذا إيذانٌ منك إلي بالخروج.

**

أقف الآن على حافة العالم الآخر،

أعرفك هناك،

أستنير بضحكك،

رميتني في المتاهة

لكنني فيها وجدتني.

ووجدتك فيَّ

والآن

صرت بعيدا.

بعيداً بالسنين.

الأمتار هينة،

خمسٌ يا صاحبي.

وكأنها البارحة.

أردت اللحاق بك قبلاً

لكنك مددت يدك إليّ،

تقول لي

لم تكتمل.

واصل المسير.

وستشعر بالحياة

تلفظك عند اكتمالك.

تخاف الحياة من الآلهة.

**

وداعا صديقي، ومرحبا.

كُورونا: بعد الهنا بسنة؟

لربما تكون هذه المرة الاولى التي ألجأ فيها إلى استخدام ميزة التدوين في مدونتي مُباشرةً، أي بالكتابة على مُحرر الموقع، دون كتابة أو مُسبقة على ملف الوورد. أردت أن أكتب هنا دون قيد، ودون مُراجعة حتى، أن أكتب ما يدور في رأسي في الآونة الأخيرة، وخلال الحجر المنزلي بعد إصابتي بفايروس كورونا، وبقائي في المنزل لأكثر من 7 أيام متواصلة.

كورونا: بعد الهنا بسنة؟

قد يبدو العنوان غريبًا. كورونا بعد الهنا بسنة؟ عندما نشرت على الإنستغرام والفيسبوك خبر إصابتي، لكي أنبّه الأصدقاء ممن خالطوني ليكونوا أكثر حذرًا، انهالت الرسائل من الأحبة والأصدقاء والمتابعين عليّ تتمنى لي السلامة، وقد كنت سعيدًا بهذا الحس من التضامن فيما بيننا.

إلا أن بعض الرسائل احتوت على عنصر المزاح من الإصابة أو من الفايروس نفسه، وكان هذا المزح من البعض مغلفًا بالحُب والرغبة في التهوين عليّ، وهو ما ظهر في لين واختيار الكلمات من طرف المُرسل، ولكن ما كان مُزعجًا هو لجوء البعض إلى المزح المُغلف بالسخرية من الإصابة، فذكر البعض جُملًا من قبيل: «بعد الهنا بسنة!»، و«جاي تحج بعد ما الناس روَّحت»، وتكررت هذه الرسائل مرارًا وتكرارًا بشكل يبعث على الاستياء. بعض من أرسلوا هذه الرسائل كانوا أشد لطفًا ورحمة عندما عرفوا بمرضي بنزلة بردٍ قبل شهرٍ من اليوم، ولكن عندما كان الحديث عن كورونا، أشعروني وكأن في الأمر سباق نحو الإصابة. أو أن الإصابة الآن غير ذات أهمية كما كانت قبل عامين، مع زخم الإصابات.

لا أريد أن أبدو مثل طفلٍ ينوح، لكن الأعراض لم تكن خفيفة مثل الرشح، واستمرت حرارتي بالارتفاع في الأيام الأربعة الأولى، ولم يكن الأمر يحتمل سُخرية، خصوصًا لدى المصابين بالفايروس، أو ممن عرف صديقًا أو قريبًا أو حبيبًا أصيب بهِ، وكل من سخروا منه لديّ، لم يُصابوا بهِ إطلاقًا، وأيضًا، لاحظت أن جميعهم غير مرتبطين (عُزّب)، ولا أدري ما أفعل بهذه المُلاحظة، إلا أن وجودها شيِّق، خصوصًا أن أرأف ردات الفعل كانت من الصديقات الأمهات والأصدقاء والصديقات المتزوجين.

ذكرتني ردة فعل بعض الأصدقاء الساخرة بعرضٍ كوميدي على نتفلكس يسأل فيه الفنان الجمهور في استهلالة العرض: «هل تعتقدون أننا بالغنا في ردة فعلنا تجاه كوفيد-19؟»، كانت ردة فعل الناس متحمسة وأجابوا بصوت واحد: «نعم»، وهنا كان رد الفنان المُفاجئ: «قولوا ذلك لمن ماتوا منه!». يُذكر أنَّ عدد وفيات الفايروس حول العالم قد بلغ أكثر من 6 مليون شخص.

متابعة قراءة “كُورونا: بعد الهنا بسنة؟”

دولةٌ صهيونية بأي ثمن: إرث بن غوريون في تأسيس دولة الفصل العنصري


مُقدّمة المُترجِم

في البداية وعند اختيار المادة، كان المخطط أن يكون العمل عليها ترجمة حصرًا، ولكن كمية المعلومات فيها والإحالات إلى خارجها دفعتني للجوء إلى مراجع أخرى، طبعًا بالاعتماد على المادة الإنجليزية مرجعًا أساسيًا. يحاول صامويل فاربر عبر القراءة النقدية لكتاب توم سيغف[1] أن يضع يده على النقاط المحورية في حياة ديڤيد بن غوريون والتي جعلت من إسرائيل الدولة القائمة اليوم، فيتحدث تحت سبعة عناوين رئيسة، كيف أنّ حلم إنقاذ اليهود من الظلم والاضطهاد في العالم الغربيّ، جعل الصهاينة، يسعون إلى بناء دولة في فلسطين، حتى لو عنى ذلك ممارسة الاضطهاد نفسه على قوميات أو عرقيات أخرى، وهنا لا تكون الصهيونية ضحية، بل هي فاعل مُجرم، يستخدم الأدوات نفسها والنظرة الاستشراقية الغربية في التعامل مع السكان الأصليين، ويركّز الكاتب على الترجمة لحياة بن غوريون في الربط بين تعامل الصهاينة الاستعماري وتعامل القوى الاستعمارية الكُبرى في أميركا الشمالية مثلًا مع السكان الأصليين هناك، ومع المكسيكيين لاحقًا، ومع الأفارقة الأميركان أيضًا. تجدر الإشارة هنا، أنّ المحتوى الموجود في هذه المادة والاستعانة بالمراجع الفرعية كان لضرورة شرح وتوضيح المعلومات في المرجع الأساسي، وبالتالي، فإن عمل المترجم على المادة ونشرها لا يعني بالضرورة (أو البتة) الموافقة على ما وردَ فيها، وإنما مُساهمة فِي نشر ما يكتبه رواد حركة المؤرخين الجدد حول العالم فيما يتعلق بالصهيونية ودولة الاستعمار الاستيطاني «إسرائيل».


متابعة قراءة “دولةٌ صهيونية بأي ثمن: إرث بن غوريون في تأسيس دولة الفصل العنصري”

خمرُ الانتباه | سلسلة النباهة في عصر التفاهة

مُقدمة المُترجم

تناولت خلال الأسابيع الماضية في مقالتين الآثار المُدمرة لاستخدام الهاتف «الذكي» والتطبيقات على قدرة البشر على الانتباه سواء كانت تلك التطبيقات أو الصفحات تُقدم محتوى جيدًا أو لا، فالقضية ليست فيما يُقدمه الناس في تلك التطبيقات، وإنما في طريقة عملها نفسها، وكيف تسعى إلى إخضاع العقل البشري في لحظات ضعفه ليقضي أطول وقتٍ ممكن عليها.

كانت الردود مُتباينة، وعلّق عدد ليس بالقليل أن مسؤولية المراقبة والمُحاسبة تقع على كاهِل الأفراد أنفسهم تحت غطاء من الحُرية المُطلقة أو الفردانية المُطلقة، وفي الحالتين يبدو الأمر مرفوضًا، لأن الأطفال الذين صاروا يتعاملون مع هذه المواقع والتطبيقات جبرًا نظرًا للتعليم الإلكتروني وغيرها من طرق التواصل مع الأقران، وأيضًا لأن هذه الشركات تسعى إلى تضخيم ربحها، وأشارت العديد من الدراسات إلى أن مثل هذه المواقع تتسابق على انتباه المُراهقين والأطفال بوصفهم الفئة الديمغرفية الأكثر درًّا للربح. يأتي رفضي على الأقل من واقع أنّ الناس في هذه الفئة العمرية لا يتحلون بالوعي الكافي لمقاومة طُغيان الخوارزمية، ويمكن امتصاصهم بسهولة في دوائر القلق والاكتئاب والمعايرات وغيرها من مشاكل الصحة النفسية الناجمة عن استهلاك «خمر الانتباه».

متابعة قراءة “خمرُ الانتباه | سلسلة النباهة في عصر التفاهة”

مقالة لن تُكملَ قراءتها | سلسلة النباهة في عصر التفاهة

مُقدّمة المُترجم:

قد يسأل أحدهم: «ما الضرر من أن تعرف شركات التكنولوجيا تفضيلاتي وأن تعطيني إعلانات مُخصصة لي؟»، ولكن لو توقف الأمر على الإعلانات، لكان هينًا، إذ تتحكم شركات التقنية بكل ما تتطلع عليهِ من منشورات وصور وأخبار، فهي تراقب تحركاتك عبر الإنترنت باستخدام الملفات تعريف الارتباط (cookies)، وتتبع تفضيلاتك السياسية والإعلامية والأدبية وحتى الإباحية منها، وتُصمم لك تجربة تعمل على دفعك نحو هذه التفضيلات فقط، دون غيرها، وهو ما يجعلك تعيش في فقاعتك مهما كانت، فتزيد من تطرف من المتطرفين ومن انقسام المنقسمين وانعزال الانعزاليين، وهو ما دفع الناس للعيش فيما يعرف بالغرف الصدوية Echo Chambers، بحيث لا يرون ولا يسمعون إلى ارتداد أفكارهم، فيظنون أن العالم ملكهم، ولا يرون الاختلاف، ولا يستفيدون من التنوع الموجود.

ولا يتوقف الأمر هُنا، بل توظف شركات التكنولوجيا مثل فيسبوك وغوغل وتويتر وشبيهاتها أقوى خبراء الخوارزميات والبرمجة وعلم النفس لتجد نقاط ضعف البشر وطرق تقويض انتباههم وإخضاعه لتطبيقاتهم لتضمن قضاء الناس لأكبر وقتٍ ممكن عليها، فكلما قضيتَ وقتًا أكثر، ربحت هذه الشركات أكثر، وهم يستغلون بذلك أذكى العقول في ترويض البشر والتلاعب فيهم، وكما يستطيع الإنسان العادي التحكم في بعض الحيوانات وأن يقودها من اتساع الحقلِ إلى ضيق الحظيرة، بحكم تفوقه عقليًا عليها، تعمل هذه الشركات على المبدأ نفسهِ، فهي تقود البشر قطعانًا من اتساع العالم إلى ضيق الهاتف المحمول، فلم تعد مواقع التواصل الاجتماعي تحقق غايتها في التواصل الاجتماعي بقدر ما هي أدوات تضييعٍ للوقت (في غالب الأحيان)، بل وثقب أسود لإهدار قدرات وطاقات البشر حول العالم وتدمير وعيهم وقدرتهم على الفعل والحركة على أرض الواقع.

متابعة قراءة “مقالة لن تُكملَ قراءتها | سلسلة النباهة في عصر التفاهة”

قصة: كيس الذكريات

طُردت قبل فترة من الوظيفة رقم 32، وكان السبب: عدم اهتمامي بالعمل. العمل يضجرني. لا شيء يُحفزّني. قررت بعدها أن أجوب العالم بحثًا عن قصص. صرتُ أُصاب بالنشوة عند سماع قصص وتجارب الآخرين. بي رغبة عارمة للسؤال عن تجارب الناس وحياتهم، ولا أتحدث عن خصوصياتهم، وإنما ما يعايشونه. جُبت العالمَ بحثًا عن تلك القصّة. القصة التي تتفوق على أية قصة أخرى. قبل شهرين، شددت رحالي، وذهبتُ من فيتنام في طيارة مُباشرة إلى القاهِرة. أقنعت ناشري بشق الأنفس أن يموّل رحلتي، وأخبرته عن خيطٍ قصةٍ تستحق أن تُكتب. وصلتُ إلى هناك، واستأجرتُ غرفة فندقٍ في شارع طلعت حرب. فندق اللوتس. أخبرني عنه صديق مصريّ قبل عشرين عامًا. كان متواضعًا، فلستُ أحب البذخ أبدًا. اتصلتُ بالعائلة، وأخبرتهم بقدومي إليهم في عصر اليوم التالي. ردوا عليّ بالإيجاب، وأنهم سعداء بزيارتي.

كذبتُ على ناشري طبعًا، فإلى جانب رغبتي في كتابة رواية عن القصة أو سكربت فيلم، إلا أن الذاكرة البشرية والعقل البشري يدهشانني جدًا في طريقة عملهما غير المتوقعة. أحب أن أسمع من أناس حاربوا الذاكرة وحاربتهم.

متابعة قراءة “قصة: كيس الذكريات”

من سرق منك انتباهك؟ | سلسلة النباهة في عصر التّفاهة

نحن بحاجة إلى استعادة عقولنا بينما يمكننا إنقاذها، إذ تدمر وسائل التواصل الاجتماعي والعديد من جوانب الحياة الحديثة قدرتنا على التركيز.

تشكل لدى آدم (الابن الروحي لكاتب المقالة أو الابن بالمعمودية في حالات التدين المسيحي) عندما كان في التاسعة من عمره هوس قصير ومكثف وغريب بإلڨيس بريسلي، وقد أخذ يؤدّي أغنية Jailhouse Rock بأعلى صوته مع تحريكه لوسطه كما كان يُحركه إلڨيس. نظر إليَّ ذات يوم بجدّية بينما كنت أجهزه للنوم في فراشه، وسألني: «يوهان، هل ستأخذني إلى گرايسلاند[1] يومًا ما؟» وافقت دون أدنى تفكير في السؤال. ولم أفكر في الأمر إلا بعد فوات الأوان..

ضاع آدم مني بعد عشر سنوات، وكان قد ترك المدرسة في سنّ الخامسة عشرة، واعتاد قضاء معظم ساعات يقظته تقريبًا متناوبًا بين الشاشات مشدوهًا ومتنقلًا بين اليوتيوب والواتساب والمواد الإباحية (غيَّرتُ اسمه وبعض التفاصيل الصغيرة للحفاظ على خصوصيته). بدا وكأنه يتحرك بسرعة سناب شات، ولم يعد أي شيء يجذبه كما كان، وخلال العقد الذي أصبح فيه آدم رجلاً، حدث هذا التمزّق البين-ذاتي مع الكثيرين منا. كانت قدرتنا على إيلاء الأمور الانتباه متصدعة ومنهارة. بلغت الأربعين من عمري للتو، وفي أي مكان أجتمع فيه مع أبناء جيلي، نأسف على فقدنا لمقدرتنا على التركيز. ما زلت أقرأ الكثير من الكتب، ولكن مع مرور كل عام، قدرتي على التركيز والقراءة صارت تشبه درجًا كهربائيًا يتجه إلى الأسفل. ثم في إحدى الأمسيات وبينما كنَّا مستلقين على أريكتي وكل منا يحدق في شاشاتنا الصارخة بلا توقف، نظرت إلى آدم وشعرت بفزع شديد؛ قلت بهدوء: «آدم، لنذهب إلى گرايسلاند»، وذكرته بالوعد الذي قطعته على نفسي. استطعت أن أرى أن فكرة كسر هذا الروتين المخدّر أيقظت فيه أمرًا، لكنني أخبرته بوجود شرطٍ واحدٍ عليه الالتزام به إذا ذهبنا. ينبغي له أن يغلق هاتفه في أثناء خروجنا، وأقسم أنَّه سيغلقه.

متابعة قراءة “من سرق منك انتباهك؟ | سلسلة النباهة في عصر التّفاهة”

المُترجمون وأيقونات أخرى

نُشرت هذه المقالة لأول مرة على موقع رُمّان تحت عنوان «المترجمون… وأيقونات أخرى».

طالما كان الكتّاب شخصيات مُثيرة. وحتى الآونة الأخيرة، نزعنا إلى رؤيتهم على أنهم مخمورين وفاتنين. هكذا رأينا همنغواي في أحد البارات في كُوبا، وكذا رأينا فرانك أوهارا[1] يحتفل مع غيره من الفنّانين. ولكن الآن، ومع احتشاد الثقافة الشعبية بالصحة، صار الإنترنت حافلًا بروتين الكتّاب اليومي وعادات أكلهم. ماذا بخصوص المُترجمين؟ كيف يقضون أيامهم؟ يقضونها على الإنترنت، ولكنهم مُختفون تمامًا.

يحاجّ بعض المترجمين بأن هذا هو الطبيعي. وظيفة المُترجم تكون في اختفائِه، أن يحيك نصًّا منسوجًا بعناية للدرجة التي تجعل منه كأنه -المُترجم- لم يكن موجودًا أصلًا. لا تهدف هذه المقالة إلى دحض الفكرة أعلاه، وإنما لتعقيدها. سأكتب وسأجادل حول دور ومكان المُترجم في الخيال الأدبي، ليس بوصفهِ شبحًا، وإنما ككيان حقيقي وفاعل ومعروف. جزء من هذه المحاجّة سياسيّ: فمن ذا الذي يجسّر الانقسامات الثقافية بشكل أوضح من المترجمين؟ كيف يمكن للعالم الأدبي تقديم أكبر قدرٍ من الترحيب والتعاون للمترجم؟ مقالتي هذه تتناول الجانب الفني أيضًا. فأنا، كمترجمة، أرى الترجمة فعلٌ يتطلب ثقة عالية بالنفس. الترجمة شكلٌ فني يتطلب درجة عالية من المَوهبة ومن الأنا (ego). فأن تدعي أن بإمكانك كتابة كتابِ شخصٍ آخر يتطلب ثقة عالية بالنفس. أكتب هذه المقالة مُشيدة برباطة جأشِ بعض المُترجمين، محاولةً تعزيز غرورهم. ما أحاول قوله ببساطة: أريد جعل المتُرجمين مَشاهير.

متابعة قراءة “المُترجمون وأيقونات أخرى”

اختراع إجازة نهاية الأسبوع – سلسلة طُغيان الوقت

خُضنا جميعًا أعوامًا وأوقات عصيبة، إلّا أن عاميّ الجائحة المنقضيين كانا تجربة فريدة ومؤثرة في حياتنا جميعًا، وفي طريقتنا لاستيعاب الوقت ولمرور الأيام والأسابيع والسنوات. أصابنا في هذا الأعوام ما أصابنا من حيرة وضبابية، إن لم تصبنا كورونا نفسها، وهو ما دعاني إلى التفكير في مفهوم الوقت وكيفية تعامل الحضارات معه، أرشدتني القراءات في طريقي إلى البحث في اختراع الوقت وطغيانه وكيف صارت المفاهيم المُختلفة دارجة ومُتكاملة في حياتنا. هذه هي المقالة الثالثة ضمن السلسلة، حيث كانت المقالة الاولى بعنوان طُغيان الوقت، والثانية بعنوان اختراع الأسبوع، وأردت أن تكون كِمالة السلسلة بفكرة اختراع إجازة نهاية الأسبوع، والتي استوعبناها تمامًا كما استوعبنا اختراع الوقت الاستعماري أولًا، ثم استعيابتنا لتقسيم حياتنا وتقاويمنا إلى سبعة أيامٍ دورية تُنظم عجلة الإنتاج.

يتناول الكاتب في هذه المقالة أثر الثورة الصناعية والمجتمع الصناعي في اختراع إجازة نهاية الأسبوع بما يخدم أصحاب رأس المال بالمقام الأول، ويؤكّد على وجود تواطئ بين النظام المجتمعي والتعليمي والديني مع النظام الرأسمالي في التحكم في تعبئة وتجهيز الناس ليكونوا مُسننات في آلة الإنتاج الكبيرة، كما يأتي الكاتب، سريعًا، على فكرة كارل ماركس عن الاغتراب/الاستلاب، وأثرها على الطبقة العاملة. أتمنى لكم قراءة مُمتعة ومُثرية.


متابعة قراءة “اختراع إجازة نهاية الأسبوع – سلسلة طُغيان الوقت”

لعبة الاسم – نص

اسمي ليس صعبًا. وليس مربكًا. اسم واضح. لا يحتاج إلى تشكيل لتقرأه. فقط ألف ونون وسين. ثلاثة أحرف بسيطة. لو بدأته بالضم أو الفتح، لو أضفت واوًا في المنتصف. لو أضفت ياءً بعد الألف. كلها توصل إلى المعنى ذاته: من الأنس عكس الوحشة وهو كل ما تأنس به القلوب وتألفه وتطمئن به. ولكن، يعجبني كيف يلعب الناس بالاسم أحيانًا، سواء عن خطأ أو عن قصد.

أول فتاة عبرت لها عن إعجابي بها قبل أكثر من عشر سنوات، ردت علي: «أنس يا أنس. عندما أقرأ اسمك يحضرني النسيان لا الأُنس». لا أذكر كيف أثر الموقف بي، ولكني كلما تذكرته الآن أضحك. رفض ثقيل، ولكن محترم. واللعبة في الاسم. أنا النسيان.

يكتب لي الأصدقاء أحيانًا رسائل على تطبيقات المراسلة، ويبدؤون باسمي: «أنس»، لأكون صريحًا، تخيفني الرسائل التي تبدأ بالاسم دون كلام بعدها. أو تأتي بصيغة الطلب أو تأتي بصيغة الإشعار: أريد التحدث إليك في موضوع مهم. على كل حال. مما لاحظته أن الأصدقاء، واللاأصدقاء أيضًا، يقعون في خطأ طباعي بين الفينة والأخرى. بدلًا من اسمي، يكتبون «أمس» ثم يكملون دون تعديل، وأنا الذي إذا كتبت كلمة بدون همزة أعود وأعدلها. أتوقف عند هذه الكلمة. الفرق في الأبجدية العربية أن حرف الميم يسبق النون. وأنس، الأنيس، أما أمس، فالحرف سابق، واليوم سابق، صرت حدثًا منقضيًا. تخيل أن يكون اسمي «أمس»؟ أو البارحة؟ يبدو الأمر سخيفًا، سأتوقف.

كان بعض الطلاب وأنا في الصف السادس الابتدائي يلعبون كرة القدم (باحتراف حسب مخيلتي)، ولا يتيحون لي المجال لألعب. توجهت إلى أستاذ حصة الرياضة وشكوتهم. رافقني إلى الملعب وأجبرهم على إدخالي. تضايق الزملاء. خربت عليهم لعبتهم. أتتي كرة قوية، وصددتها برأسي وجاءت «غوول». يصرخ شخص من الفريق الآخر ساخرًا: «الله عليك يا عبد الرؤوف شعبان»، لا أدري لِم اختار هذا الاسم. ربما لأنه يشبه أسماء اللاعبين المصريين، ولكن أعجبني، وصار اسمًا بديلًا عندما لا أريد التعريف بنفسي وباسمي الحقيقي أمام البعض. ما اسمك؟ عبد الرؤوف شعبان. يصاحبني الاسم منذ أكثر من عشرين عامًا.

«أسامينا، شو تعبوا أهالينا. تَلاقوها، وشو افتكروا فينا». تغني فيروز. لديّ إيمان ساحق أن أغلب الأسماء تُطلق خبط عشواء. يريدون اسمًا للوليد. ما رأيكم بوليد؟ ما رأيكم بأنس؟ ما رأيكم بمحمد؟ (اسم فريد وبديع). أصدق بين الفينة والأخرى أنّ لكل إنسان من اسمه نصيب، ولكن ليس هذا حكمًا مُطلقًا؟ على كل حال، أكره كثير من الأسماء، ويبدو الأمر غير عقلانيّ، ولكن قابلت صفات ترتبط في الأسماء أحيانًا.ماذا عنّي أنا؟ أنا الأنيس والنسيان، أنا اليوم والبارحة، دون غدٍ. أنا عبد الرؤوف شعبان.

متابعة قراءة “لعبة الاسم – نص”

اختراع الأسبوع – سلسلة طُغيان الوقت

تعلّم الأميركيون (والعالم) خلال عُزلة الجائحة في عام 2020 الكثير من الأمور، ومن أهمها، مقدار تعلقنا بنظام الأيام السبعة في الأسبوع. ومع تكوِّم الشكاوى حيال فقدان التركيز المؤقت خلال شهر أبريل، ذهب انتباهنا إلى التقويم الأسبوعي بدلًا من السَّاعة. وقد حدا هذا الأمر بقناة تلفزيونية في كليفلاند، تعمل تحت شبكة فوكس الإعلامية، أن تُسلي جمهورها ببرنامج كان عنوانه «في أي يوم نحن؟ مع تود ميني»، وقُدّمت الإجابة نفسها في كل مرة، «في واحد من أيام الأسبوع»، ولم يتم اختيار أي تاريخ من التقويم الغريغوري».

تداخلت الساعات والأشهر والفصول وكل وحدات قياس الوقت في بعضها البعض، ولكن كان غياب القدرة على تحديد أيام الأسبوع أكثر المواضيع نقاشًا حول العالم. قال توم هانكس في البرنامج الحواري Saturday Night Live، في مونولوغه بأنه لم يعد ليوم «السبت» (الجمعة في الدول العربية) قيمته كما كان. صار كل يوم هو «اليوم»، وانتشرت صور ميميَّة Memes تقول إن الأيام أمست ضبابية، وصارت أيام الأسبوع: «اليوم، ذلك اليوم، اليوم الآخر، يومًا ما، الأمس، هذا اليوم واليوم القادم»، وصار انهيار الأسبوع صورة كوميدية مبتذلة.

متابعة قراءة “اختراع الأسبوع – سلسلة طُغيان الوقت”

طُغيان الوقت

في ظهيرة يومٍ غائم ورطب في الخامس عشر من فبراير عام 1894، مشى الفرنسي مارشال بوردين إلى حديقة گرينتش في شرق لندن. كان للشاب الفرنسي شعر داكن وناعم وممشط إلى الخلف وشارب عريض.  جال الشاب طرقات الحديقة الملتوية إلى أن وصل إلى المرصد الملكي، والذي كان قد بُني قبل عشر سنوات بوصفهِ مركزًا رمزيًا وعلميًا لوقت الساعة القياسي على مستوى العالم (توقيت گرينتش) وكذلك رمز للإمبراطورية البريطانية. حمل بوردين في يده اليسرى قنبلة: حقيبة ورقية بنية تحوي في داخلها عبوة معدنية مُعبأة بالمتفجرات. ومع اقترابهِ من المرصد، جهز القنبلة بزجاجة من حمض الكبريتيك، ولكن وعند وقوفه مواجهًا للمرصد، انفجرت القنبلة في يديه.

متابعة قراءة “طُغيان الوقت”

إدوارد سعيد: عَولمة الدّراسة الأدبية

ورقة لإدوارد سعيد نُشرت في jstor في يناير 2001، ونقلها إلى العربية أنس سمحان | نُشرت لأول مرة على موقع رُمَّان.


اسمحوا لي أن ابدأ بما يبدو لي من الأساسات الثقافية والأدبية لهذه المنصة كما هو موضّح في اسمها. لن أتحدث كثيرًا عن الافتراضات العامة التي قد حكمت أو أثيرت في اجتماع جمعية اللغة المعاصرة MLA في لقاء هذه الألفية.

أتخيل أن عددًا متزايدًا منّا يشعرون أن هناك أمرًا أساسيًا غير فعال أو على الأقل أن هناك أمر قد تغير جذريًا في الأطر التقليدية التي ندرس الأدب من خلالها. كيف يمكن لهذا أن يكون مرتبطًا ليس فقط بالمشكلة في المنهاج، وإنما في الوضع الوظيفي الذي يتضمن نقص كبير في المناصب لطلاب الدراسات العُليا، فضلًا عن استغلال الموظفين بدوام جزئي عبر تقليص إدارات الجامعة والتقليل من قيمة العلوم الإنسانية وجعلها وظائف خدماتيّة. يجب أن نتذكر النقاط أعلاه جيدًا، مع العلم بأني لن أتناولها تناولًا مُباشرًا في هذه الورقة. جانبين من تلك الأطر الثقافية بحاجة إلى مراجعة أكثر من غيرها، الأول يتمثل في فِكرة أن النص يوجد داخل إطار وطني/قومي، والثاني يتمثل في الافتراض بأن العمل الأدبي يوجد بشكل ثابت واحد يمكن تحديده. سأحاول إعطاء أمثلة لما أقترحه هنا، مع تأكيدي بأن هذه الأمثلة لن تكون قادرة على شرح مستوى تعقيد القضيّة.

متابعة قراءة “إدوارد سعيد: عَولمة الدّراسة الأدبية”

فَانُون

فَانُون[1]

كتابة: توبياس وولف. كاتب قصة قصيرة أميركي وكاتب مذكرات وروائي، وهو معروف بمذكراته حياة هذا الصبي (1989) وفي جيش فرعون (1994). وقد كتب مجموعتين قصصيتين قصيرتين، بما في ذلك (The Barracks Thief (1984، والتي فازت بجائزة PEN/Faulkner للأدب.

ترجمة أنس سمحان


نادى مُحرر صحيفة «ذا مترو» عليّ بالاسم عبر غرفة الأخبار وأومأ لي. عندما وصلت إلى غرفتهِ، وجدته جالسًا خلف المكتب، وإلى جانبهِ رجل وامرأة. بدا الرجل مستفزًا وهو واقف على قدميهِ، بينما جلست المرأة في كرسيها مترقبة بوجهها النحيل وممسكة حزام حقيبتها بكلتا يديها. كان لون بدلتها متطابقًا مع لون شعرها الرمادي المزرق. بدت متأهبة مثل جندي. أما الرجل، فكان قصيرًا وممتلئًا تمامًا. أعطته الأوعية الدموية البارزة في خديهِ منظر الرجل المرح، ولكن هذه المنظر اختفى تمامًا مع ابتسامته.

«لم أُرِد أن أفضحك،» ثم نظر إلى زوجته وقال، «ولكن رأينا أن عليك أن تعرف».

«طبعًا علي أن أعرف،» قال محرر الصحيفة موجهًا الكلام ناحيتي «أعرّفك على السيد گيفنز. السيد رونالد گيفنز. هل تذكر الاسم؟»

«ليس تمامًا».

«دعني أعطيك تلميحًا. السيد گيفنز ليس ميتًا».

«حسنٌ»، قلت له، «لقد فهمت».

متابعة قراءة “فَانُون”

المدينة الوحيدة: مغامرات في فن الوحدة

نمر كلنا في لحظاتٍ نشعر فيها بوحدة تامّة، وحدة قاتلة، كأننا سلحفاء صغيرة في واجهة مدٍ عظيم، وهذا الشعور يتضخم في داخل المدينة، خصوصًا لشخصٍ مثلي عاش أغلب حياته في قرية زراعية صغيرة هادئة، ولم يعهد سرعة الحياة كما يعهدها الآن. ومثل كاتبة المقالة، حاولت أن أجد عزائي فيما أشعر به عبر القراءة لقديسي الوحدة، عبر القراءة لپول أوستر مرة أخرى وروايته اختراع العزلة، أن اقرأ لهمنغواي وإدغار آلن بو، أن أقرأ القصص والمقالات، علّي أجد فيها ترياقًا يعينني على عدّ الأيام، وللمفارقة، كانت الترياق في الترجمة، وصحيح أنه ليس إكسيرًا يشفي، إلا أنه يعالج، ويمنحني العزاء للاستمرار وأنا سعيدُ إلى حدٍ ما. أترككم مع هذه المقالة من ترجمتي والتي تتحدث عن فن أن تكون وحيدًا.

متابعة قراءة “المدينة الوحيدة: مغامرات في فن الوحدة”

انتفاضة التيك توك أو كيف تمكّن الفلسطينيون من طرح سرديتهم؟

مُلاحظة من المُترجم: لأن ترجمة هذه المقالة سُتنشر على مدونتي وليس في أي من المواقع أو المجلات الأخرى، ولأن نشرها سيكون حرًا، وغير مرتبطٍ بمؤسسة أو جسمٍ ما، فقد آليت أن تكون الترجمة بتصرّف.  أي ذكر لدولة الاحتلال باسمها سيكون بين «بين مزدوجين». وسأعمد أيضًا إلى إضافة مُلاحظات خاصّة مني لتطوير المادّة وستكون مداخلاتي دائمًا بين أقواس أو في الهوامش السفلية من المقالة.

في العدوان الأخير على غزّة، وقبله في الحملة الإعلامية التي انطلقت من الشيخ جراح ونحو العالم (والتي ما زالت مُستمرة حتى الآن) تمكن الفلسطينيون من توحيد خطابهم الإعلامي ضد دولة الاستعمار الاستيطاني في حالة نادرة أثبتت أهمية انسجام السرديات، ومخاطبة الرأي العام العالمي (الناس لا الحكومات) بنبرة واضحة وملائمة، وأيضًا كان الفلسطينيون في الإعلام يتحدثون بنبرة صاحب الحق لا بنبرة الضحية، أثّر هذا على استقبال رسائل الاضطهاد والقمع وخلق نتائج كثيرة وأفشل جهود الهسبرة الصهيونية والعاملة منذ عشرات العقود على إخفاء الصوت الفلسطيني في المنصات الدولية.

متابعة قراءة “انتفاضة التيك توك أو كيف تمكّن الفلسطينيون من طرح سرديتهم؟”

عن الخُبز والثورات والعيش

تاريخ حروب الخُبز يخبرنا بالكثير عن صراعات اليوم

لا بدّك أنك سمعتَ هذا التعبير قبلًا «ما يفصل بيننا وبين الفوضى ثلاثة وجبات في اليوم»، وحتى لو لم تسمعه تمامًا، فأنت تعرف تمامًا أو قد سمعت قبلًا عن أمثالٍ وجملٍ من قبيل ثورات الجياع أو ما يشبهها. الوجبة المقصودة في مثل هذا التعبير وعند الحديث عن الجياع، هي الخُبز.

يُعد الخبز واحدًا من أقدم وأرخص الأطعمة المُعدة في العالم، مع وجود أدلة أركيولوجية عليه تعود لأكثر من 30,000 عام في تاريخ البشرية. غالبًا ما تشير الروايات التاريخية عن صناعة الخبز إلى إن الروماني بليني الأكبر كان أول من شرح كيفية استخدام مقشود البيرة في إعداد الخُبز (بديل عن الخميرة). وكان يُعتقد في مصر القديمة أن العمال الذين بنوا الأهرامات كانوا يحصلون على أرغفة الخُبز مُقابلًا لعملهم.

متابعة قراءة “عن الخُبز والثورات والعيش”

لماذا لا تملك دولة الاحتلال «حق الدفاع عن نفسها»؟

مُلاحظة من المُترجم: لأن ترجمة هذه المقالة سُتنشر على مدونتي وليس في أي من المواقع أو المجلات الأخرى، ولأن نشرها سيكون حرًا، وغير مرتبطٍ بمؤسسة أو جسمٍ ما، فقد آليت أن تكون الترجمة بتصرّف، وأن أشيرَ إلى «إسرائيل» على أنها دولة الاحتلال طُوال الوقت.  أعي تمامًا أن هذه مقالة رأي لكاتبها، ولكن هذه مدونتي، ولا أريد أن أذكر اسم دولة الاحتلال إلا إن كان السياق يتطلب ذكرها (بين مزدوجين/صفة/سلبية). وسأعمد أيضًا إلى إضافة مُلاحظات خاصّة مني لتطوير المادّة. الهدف من تمرين عدم ذكر دولة الاحتلال إلا بما هي عليهِ، دولة استعمار استيطاني إحلالي، هو عدم التعوّد على ذكرها ليصير استخدامها بشكل طبيعي إطلاقًا.


«لدى إسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها»، لربما كانت هذه واحدة من أكثر الجمل انتشارًا لفظًا وكتابةً عن المعسكر الغربي سواء في الإعلام أو في القانون أو في الإدارة السياسية والشخصيات الرسمية. صارت الجملة دليلًا في حد ذاتها للدرجة التي لم تعد ثمة حاجة لتبريريها أو توضيحها.

ولكن دولة الاحتلال اليوم تستخدم «حق الدفاع عن النفس» كوسيلة وأداة خطابية لإيقاع الحرب وإشعالها ولتبرئة نفسها. فاستخدام دولة الاحتلال لهذه الحجة يغير طبيعة الحوار من كونها دولة استعمارية تمارس جرائهما ضد الفلسطينيين إلى ردة الفعل عليها نتيجةً لأفعالها.  تحرم دولة الاحتلال الفلسطينيين من حقوقهم الإنسانية، بما في ذلك حق تقرير المصير، وتحاصر أكثر من مليوني إنسان في قطاع غزة، وتصادر الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس وتطرد أهلها منها، وتمارس العنصرية ضد الفلسطينيين داخل حدودها، وهو ما يجعل استخدامها لحق الدفاع عن النفس ليس سائغًا قانونيًا لقتل وقصف وتشريد الفلسطينيين مرة أخرى. ومن الواضح للغاية أنّ ما يحصل ليس حوادث فردية، بل احتلال تقوده دولة وعليهِ، فيجب على هذه الدولة تحمل المسؤوليات الجنائية الواقعة عليها.

متابعة قراءة “لماذا لا تملك دولة الاحتلال «حق الدفاع عن نفسها»؟”

وَن بيس: الأنمي في مواجهة العالم

«ون بيس» هو سلسلة مانغا يابانية من رسم وكتابة إيتشيرو أودا، بدأ نشرها كمجلة في عام 1997، وجمّعت حتى الآن في 90 كتاباً (مُجلد مانغا). تتبع القصة مغامرات مونكي دي لوفي (الذي أكل فاكهة الشيطان والتي أكسبته قدرة تمدد جسمه مثل المطاط) ومغامرات طاقم قراصنته (قراصنة قبعة القش) واستكشافهم للغراند لاين بحثًا عن كنز الون بيس. تحولت المانغا إلى مسلسل أنمي بدأ عرضه في اليابان في عام 1999، وما زال عرضه مُستمرًا حتى هذا اليوم. صُنّفت مانغا “ون بيس” على أنها المانغا الأكثر بيعًا في التاريخ، حيث حققت مبيعات وصلت لـ440 مليون نُسخة حتى شهر مايو/ أيار 2018. وفي عام 2017، أصبحت سلسلة “ون بيس” المانغا الأكثر بيعًا للعام العاشر على التوالي. وأعلن الموقع الرسمي لمجلة مانغا ون بيس الخاص بأودا أن المانغا قد سجلت رقما قياسيًا في موسوعة غينيس للأرقام القياسية: «أكثر نسخ منشورة لنفس سلسلة الكتب المصورة لمؤلف واحد».

متابعة قراءة “وَن بيس: الأنمي في مواجهة العالم”

«أنت لا تعرف شيئًا» ونصائح كتابية أخرى من توني موريسون

لا يمكنني التفكير في كاتبة محبوبة عالمية بقدر توني موريسون، فأعمالها عظيمة وإرثها منزهٌ عن كل نقد وقد استغلت كل فرصة متاحة لها لتكشّف تألقها. في الخامس من أغسطس (2019)، توفيّت الكاتبة، ولهذا فقد غُصتُ في عددٍ من المقابلات والخِطابات التي ألقتها لأعرف رأيها ونصائحها عن الكِتابة.

متابعة قراءة “«أنت لا تعرف شيئًا» ونصائح كتابية أخرى من توني موريسون”

آن لأميركا أن تقطع علاقتها «الوطيدة» بدولة الاحتلال

مُلاحظة من المُترجم: لأن ترجمة هذه المقالة سُتنشر على مدونتي وليس في أي من المواقع أو المجلات الأخرى، ولأن نشرها سيكون حرًا، وغير مرتبطٍ بمؤسسة أو جسمٍ ما، فقد آليت أن تكون الترجمة بتصرّف، وأن أشيرَ إلى «إسرائيل» على أنها دولة الاحتلال طُوال الوقت.  أعي تمامًا أن هذه مقالة رأي لكاتبها، ولكن هذه مدونتي، ولا أريد أن أذكر اسم دولة الاحتلال إلا إن كان السياق يتطلب ذكرها (صفة/سلبية). وسأعمد أيضًا إلى إضافة مُلاحظات خاصّة مني لتطوير المادّة، وستكون ملاحظاتي بين (قوسين) دائمًا. الهدف من تمرين عدم ذكر دولة الاحتلال إلا بما هي عليهِ، دولة استعمار استيطاني إحلالي، هو عدم التعوّد على ذكرها ليصير استخدامها بشكل طبيعي إطلاقًا.

تأتي ترجمة هذه المقالة من باب إظهار أن الرأي العام الأميركي سواء من الشارع أو من الأكاديمية، قد بدأ بالتغير، وهذا نظرًا لعدة متغيرات، منها متغيرات شعبية وناتجة عن جهود الحراكات والاتحادات الفلسطينية في الولايات المتحدة، أو لأسباب داخلية أميركية أو لأسباب تهم أو تؤثر على السياسة الخارجية للولايات المُتحدّة. يكون التركيز بشكل كبير على الرأي العام العالمي وليس على المُجتمع الدولي، والذي نعلم كلنا أنه مُنحاز حتى النهاية باتجاه دولة الاحتلال.

نُشرت هذه المقالة لأول مرة باللغة الإنجليزية على موقع مجلة فورين بوليسي من كتابة ستيفن والت، عالم سياسة أميركي، وأستاذ كرسي روبرت ورينيه بيلفر للشؤون الدولية في كلية جون إف كينيدي للإدارة الحكومية بجامعة هارفارد. قدم والت مساهمات مهمة في نظرية الواقعية الدفاعية الجديدة ووضع نظرية توازن التهديد (أو توازن القوى). ألّف وشارك في تأليف مجموعة من الكتب، منها: أصول التحالفات وكتاب الثورة والحرب وكتاب اللوبي الإسرائيلي وكتاب السياسة الخارجية للولايات المُتحدّة.


متابعة قراءة “آن لأميركا أن تقطع علاقتها «الوطيدة» بدولة الاحتلال”

لماذا تدعم الولايات المُتحدّة دولة الاحتلال الإسرائيلي؟

مُلاحظة من المُترجم: لأن ترجمة هذه المقالة سُتنشر على مدونتي وليس في أي من المواقع أو المجلات الأخرى، ولأن نشرها سيكون حرًا، وغير مرتبطٍ بمؤسسة أو جسمٍ ما، فقد آليت أن تكون الترجمة بتصرّف، وأن أشيرَ إلى «إسرائيل» على أنها دولة الاحتلال طُوال الوقت.  وسأعمد أيضًا إلى إضافة مُلاحظات خاصّة مني لتطوير المادّة، وستكون ملاحظاتي بين (قوسين) دائمًا.


في حين تعيد دولة الاحتلال ممارسة عسكريتها المتوحشة ضد قطاع غزّة المُحاصر، يبدو أن سكان القطاع أنفسهم قد حدّقوا في وجه الموت وتصالحوا معه. تشير تغريدات أهل القطاع التي انتشرت في أتون الحرب إلى أنهم قد استعدوا للأسوأ، وشهدنا كيف كانوا يجمعون عائلاتهم بأكملها في الغرفة نفسها ليموتوا معًا. لم تكن تلك التغريدات لجذب الانتباه، وإنما كانت رسائل وداع.

وفي حين أن الولايات المتحدة الأميركية وشعبها يقدسون الاحتلال الإسرائيلي ودولة الفصل العنصري الإسرائيلية، إلا أن باقي دول العالم لا ترى الأمر بنفس الطريقة، وبدأ هذا منذ تأسيس دولة الاحتلال منذ عام 1948.

ولكن اليوم، لدى دولة الاحتلال علاقات دبلوماسية مع أغلب دول العالم، ويعود الفضل في هذا إلى الولايات المتحدة الأميركية، فقد سعت واشنطن جاهدة  لتطبيع وجود دولة الاحتلال ودمجها مع الاقتصاد الدولي. لدى الولايات المتحدة الأميركية علاقة خاصّة مع إسرائيل، وذلك كما وصفتها وزارة الخارجية الأميركية:

«إسرائيل شريك كبير للولايات المتحدة، ولا صديق قريب من إسرائيل أكثر من الولايات المُتحدة. يجتمع الأميركان مع إسرائيل على التزامهم المُشترك تجاه الديمقراطية والانتعاش الاقتصادي والأمان الإقليمي. العلاقة التي لا يمكن كسرها بين الدولتين تشهد الآن أشد لحظات قوتها».

وزارة الخارجية الأميركية

متابعة قراءة “لماذا تدعم الولايات المُتحدّة دولة الاحتلال الإسرائيلي؟”

فُصول الحَرب – نُصوص من 2014

كُتب جزء كبير من هذه النصوص في أثناء حرب 2014 على غزة، وكتبت البقية بعدها، وها أنا أنشرها أنا كما هي دون تعديلات أدون تدخلات، على الرغم من تور اللغة والأسلوب طبعًا بعد 7 سنين، ولكني أفضل نشرها دون أن ألمسها، لأتركها تعبر عن حالتي في الحرب كما شعرتُ بها قبلًا، وكما سأشعر بها دائمًا، حتى بعد مغادرتي لقطاع غزّة.

بدأت كتابة النصوص مع أول ليلة من الغزو البري على غزة في 18/07/2014، واستمريت في الكتابة لستة أشهر بعدها، وبقيت هذه النصوص محفوظة، ولم أضف إليها أي نص أو حرف. أترككم الآن مع النصوص.


فَصل ليلة الموت المحتم
الجُمعة: 18/07/2014
الساعة: 00:00


كنتُ أضع السماعات مُندمجًا مع إحساس الموسيقى التي أسمعْ وأقرأ رواية “إحدى عشرة دقيقة” لـ باولو كويلو، ناسيًا الحَرب وويلاتها؛ ولم تكن الحرب البرية قد شرَّعت أبوابها بعد. قبلها بيوم استلمنا منشورات تُهدِّد بالإخلاء، لكننا ما أخلينا لثقتنا بأن منطقة الزنَّة من أقوى مناطق التمَّاس ولطالما كانت شوكة في حلق العدو لم يستطع أن يمررها بسلام أبدًا.دقّت الساعة الثانية عشرة بعد مُنتصف الليل؛ ولم تتوقّف قذائف العدو العشوائية عن الانطلاق في كل صوبْ ومكان. قنابل دخانية تملأ الأرجاء وصوت المدفعية كصوت الساعة، قذيفة كل ثانية، وإذا توقف صوتُ القذيفة عليك أن تتأكّد أنك ما زلت على قيد الحياة لربما تكون الساعة توقّفت أو صوت القذائف توقف وحسب.

صوت المدفعية كصوت الساعة، قذيفة كل ثانية، وإذا توقف صوتُ القذيفة عليك أن تتأكّد أنك ما زلت على قيد الحياة لربما تكون الساعة توقّفت أو صوت القذائف توقف وحسب.

صوت إطلاق نار عشوائي من قوّات الاحتلال، وغطاء جويّ بشكل كثيف جدًا أفقدني جوَّ تركيزي. كان من الواضح أن قوّات الاحتلال كانت تحاول جاهدةً صُنع غِطاءٍ كثيف من أجل دخول قوّاتٍ خاصة وكان هذا فقط حسبَ تصوّري؛ لم أرد أن أشارك العائلة بهِ؛ فلربما هَزئوا بهِ مُحتجين بأني دائمًا في كهفي، وكيف لي أن أفهم في التكتيكات العسكرية والمقاومة أدرى بشعاب الزنة وما فيها.

متابعة قراءة “فُصول الحَرب – نُصوص من 2014”

«فتور» الجائحة: حالة الإعياء من الإغلاق

هذه المقالة مُترجمة بتصرّف عن اللغة الإنجليزية لكاتبها آدم غرانت والذي يتحدث أحيانًا بصوتهِ، شارحًا الحالة من وجهة نظر شخصية. (في بعض الحالات ستكون ثمة مداخلات منّي ولكنها ستكون بين أقواس دائمًا).

آدم غرانت، مؤلف وعالم نفس أميركي، ويعمل حاليًا أستاذًا في كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا مُتخصصًا في علم النفس التنظيمي. حصل غرانت على منصبه الأكاديمي في عمر الثامنة والعشرين، وكان وقتها أصغر أستاذ في الجامعة.


فتور الجائحة

لم أكن قادرًا في البداية على ملاحظة الأعراض التي كنا نعاني منها جميعًا. ذكر لي بعض الأصدقاء أن لديهم مشاكلًا في التركيز. وأشار بعض الزملاء أنه وعلى الرغم من أخبار إنتاج اللقاح، إلا أن أيًا منهم لم يكن متحمسًا لعام 2021. سمعت أخبارًا أن فتاة جلست لتعيد مشاهدة فيلم «ثورة وطنية»، والذي تحفظه الفتاة عن ظهر قلب. أما أنا، فبدلًا من الاستيقاظ من النوم الساعة السادسة صباحًا، استمريّت في الاستلقاء في سريري حتى الساعة السابعة، وأنا ألعب على هاتفي المحمول لعبة «Words With Friends».

متابعة قراءة “«فتور» الجائحة: حالة الإعياء من الإغلاق”

مَا نجدهُ في التَّرْجمَة

كِتابة: د. حميد دباشي | ترجمة: أنس سمحان

عَلى الرغم من شيوع ذلكَ النَّوع من الحَسرةِ عِند قراءة أيّ عَملٍ يُنشرُ بلغة غير لُغتهِ الأصليّة، وَعلى الرغم مِن انتشارِ فكرة «اسْتحالة» التَّرجمة، فإنِّي مُقتنع تَمامًا، بأنَّ الأعمالَ الفَلْسَفيَّة (وَالأدَبيَّةِ أيضًا، هَل يوجد فرقٌ بينهُمَا؟) وَعِند ترجمتها، تَكسب أكثر مِمَّا تخْسر.

ولِنَأخذ هايدغر عَلى سَبيلِ المِثال. فلَولا مترجموه الفرنسيون، ومن علَّقوا عَلى أعمالِه مِن بَعدهم، لبقيْت الفَلسفة الألمانيّة في ذلك الوقت، مَحَضَ غابةٍ حَرجيّة غامِضة. ولمْ يَصل هايدغر إلى القَارئ الإنْجليزيّ فِي الولاياتِ المُتحدة وبريطانيا، إلا بَعد تطوير دَريدا على أفكارهِ، وَبعدها بدأَ الجُهد الهايدغري- الدريداوي على تقويض الميتافيزيقا بزعزعةِ أساساتِ التّراث الفلسفي اليوناني.  وَقد يقول قائلٌ، ويكون على حق، إنَّ القدر الأكبر مِن الفلسفةِ القاريَّةِ المُعاصرة تشكّل في اللغة الألمانية مع تلاقح بين الفرنسية والإيطالية، ثُم عُوُلِمَ في اللغة الإنجليزية الأميركية السائدة والمنتشرة، وصارَ له قراءة وواقع عالميين وجديدين.  ولا عَلاقة لِهذا بإِمكَانات اللَّغات الألمانيّةِ والفرنسيّةِ والإنجليزيّة.

متابعة قراءة “مَا نجدهُ في التَّرْجمَة”

جسدي قفص – نص

نصٌ من 18 يناير/كانون الثاني 2021.

بقدر سوء حظّي في اختياري لمن حولي، إلا أني أكاد أكون الأكثر حظًّا بأصدقائي الذين ربطتني معاهم تجارب مشابهة عشناها في سياقات مُختلفة، ولم نكن ندري أننا عشناها، إلا عندما اقتربنا من بعضنا دون أن ندري السبب. نعم، الكلمة هي محظوظ. لي أصدقاءٌ لم أرهم يومًا، ولكني أتجه إليهم عزاءً وفرحًا، حُزنًا وشوقًا، فِكرًا وقلبًا، نتحدّث في العام مرةً أو مرتين، ونتبادل الرسائل الطَويلة عبر البريد الإلكتروني. سمها صداقة حقيقية أو أدبية إن شئتَ، لن نختلف كثيرًا على المُسميّات.
كنتُ أتحدث وزياد التغلبي، صديقي السُوري الذي عرفته عبر الفيسبوك قبل سنوات، مُحادثة فيديو. بدأناها بالاطمئنان على بعضنا والسؤال عن آخر الأخبار والأفكار والحياة والعمل والعلاقات. تحدثنا عن الرسائل فيما بيننا، وعن انشغالنا الحاد عن بعضنا. في غمرةِ حوارنا، بدأت الحديث شخصيًا عن محاولة البقاء -جيدًا- وعن الاستمرار دون التحول إلى وحش قاتل. عن الحاجة إلى الكتابة. عن الحاجة إلى التقمص الوجداني empathy، وعن الشعور الفائض بالآخر أحيانًا أكثر من الذات. إلى أن وصلتُ إلى مرحلةٍ في الشرح، لم أكن قبل قادرًا على التلفظ بها أو الكتابة عنها. وهي المرحلة التي يخذلك فيها جسدكَ. مررتُ بهذا الخذلان مُسبقًا قبل أربعة أعوام، وعايشته مؤخرًا في شهري أكتوبر ونوفمبر. في تلك اللحظة التي تشعر فيها أنك تريد فِعل كل شيء، أن تخرج من عقلك حتّى من فرط الطاقة، ولكن وفي الوقتِ نفسهِ، تشعرُ أن جسدك يقاومك. جسدك الفاني، مُتعبٌ، أو يُتعبك. جسدك المُبتئس. يصحو صباحًا قبل أن يتشبع نومًا، وينام متأخرًا رغم إنهاكه. دماغك المُهترئة عملًا ولفًا، إلا أنها لا تتوقف عن التفكير البائس والباعث على الابتئاس. تجد طاقتك تموت في محاولة إنعاش الجسد. يخطر على بالك كتابة نصٍ، والعتبة في بالك جاهزة، إلا أن الرأس والجسد لا يساعدان. تريد أن تزور أصدقاءك وأن تخرج من بيتك، ولكن الجسد يخذلك في كرهه للتحرك. تُريد العوم في الماء، ولكن جسدك لا يتوقف عن التشنج. ضغطٌ من الأعلى، وضغطٌ من الأسفل، كأنك قد نزلت آلاف الفراسخ في أعماق المحيط. جسدك المُهترئ يكاد يتفجر، وطاقتك تذوي. يخذلك الجسد، يضمر الجسد، يتعب العقل، تموت النفسَ فيكَ، ولكنك تقاوم. وتقاوم. إلى أن تستعيد جسدك ثانيةً، ولكنه سُرعانَ ما يخذلك مُجددًا. تريد أن تكون حُرًّا منه. أقول لزياد كل هذا، فيذكّرني بأغنية من مُسلسل هاوس، «جسدي قفص»ٌ، يحبسني، يُقيدني، يلزمني بالأكل والشرب والنومِ، وأنا الذي أشعر أن حياتي قصيرة للغاية، وأنّ لدي الكثير من الأمور التي لم أجربها بعد. لم أكتب كل القصص بداخلي. ثمة نصٌ عالق في رأسي منذ أكثر من تسعِ سنوات. أتذكر عتبته. أعرف فكرته. يقفز إليّ في كُل لحظةٍ، ولكني لا أقوى على كتابتهِ. أكتب بحثًا، وأكتب عملًا، ولكني حينما آتي لأكتب نصًّا لي، ترتفع يافطة في داخلي، «انتهى الدوام». صار الجسد مؤسسة بيروقراطية مُترهلة في عصر الاستهلاك، ومحكوم بالحياة فيها. يبدأ عمله صباحًا، وينتهي عصرًا، ولا ساعات عملٍ غيرها. إذا صحوت متأخرًا، فقدت ساعات العمل، وعليك المحاولة في يوم آخر. فعلًا، جسدي قفصٌ، يأسرني. قفصٌ، لستُ أكرهه، ولكني أكره خذلانه المُتواصل لي. جسدٌ يملكني، ولستُ أملكه، وهنا مكمن الكابوس. جزءٌ منكَ، لا تقوى على التحكم فيهِ. يخذلك. يُفرحكَ. يتعبك. وعندما يموت، تموت، ولا تعرف كيف. أهو الوعاء؟ أهو الوجود؟ أهو التجسد؟ ما هو؟ في النهاية أتذكر نصًّا كتبته في السنوات الغابرة، لسنا إلا كومة ذكريات تمشي على الأرض.

في هذه اللقطة فقط، يعني أن تتصالح مع جنونك.
من أجمل المشاهد في كامل مسلسل د. هاوس.
House S7E16

اعتبرها رسالة أخرى يا زياد، وأنا الذي لأكتب هذا النص، لعنتُ نفسي الآن بليل طويلٍ دون نوم. لأني وكما قلتُ، يخذلني جسدي، إذ وكلما كتبتُ نصًّا، أصابتني حالة من فرط نشاطٍ لا يمكنني السيطرة عليه، ولا يمكنني حتى دفعه للنوم، فيبقيني مُنهكًا، مُتعبًا، نعسًا، غير قادرٍ على النومِ، وفي الآن نفسهِ، دون أية فائدة.
صديقي زياد، جسدي قفصٌ، ولكني لستُ عصفورًا.. حين يفتح الباب، لا أطير، وإنما أموت. وحسب هذه الصُورة، وكثير من الصُور المبتذلة، سيكون الخروج من القفص، حرية، ولكني لستُ متأكدًا، إن كان راحة.

متاحف المتروبول: السارق يعيد تعريف المنهوبات

في كتاب الاستشراق، يتناول إدوارد سَعيد اقتباسًا لبلفور، يتحدث عن شرعية بقاء الإمبراطورية البريطانية في مصر: “إننا نعرف حضارة مصر أكثر من معرفتنا حضارة أي بلد آخر. إننا نعرفها قديمًا، إننا نعرفها معرفة حميمية، ونعرف أكثر عن مرحلة ما قبل التاريخ، في وقت تجاوزت فيه الحضارة المصرية ذروتها”. ويتذرّع هنا أن الدافع لبقائه في مصر هو المعرفة بها، ويزيد عليها بأنهم يعرفون مصر أكثر مما يعرفون إنكلترا.

إذن، فإن الذَريعة للهيمنة على الآخر، هي المعرفة به، وهنا المعرفة سابقة وشرط للهيمنة المُدّعاة. هذه هي الادعاءات نفسها التي ساقتها دول الاستعمار على مدار عدة قرون لنهب ثروات البلاد الأخرى وجهودها. وفي حالة مصر، وكثير من الدول ذات الحضارات العريقة، استخدموا ذريعة “نعرفها أكثر مما نعرف أنفسنا” لسرقة آثارها، لتكون المعرفة بالشيء هُنا شرطًا ضَروريًّا لفرض الرأي والسرقة، ولكن تحت مُسميات أخرى مثل “الحماية” أو “الحفظ” أو “الصون”، وغيرها من المُصطلحات التي تحمل في طياتها ذلك الغرور الاستعماري “المُتحضّر” الذي ينقذ الناس في المُستعمرات من “تخلفهم”.

متابعة قراءة “متاحف المتروبول: السارق يعيد تعريف المنهوبات”

السياسة الأميركية دراميًا… الإرهاب داخل البيت الأبيض

يتحدث مواطنٌ، بقلق، إلى وزير الدفاع الأميركي في مسلسل “بيرسون أوف إنترست” Person of Interest، ويخبره بأنهم في سعيهم لحفظ “أمن المواطن”، اخترقوا خصوصيته، ودمروها، وجردوه من كل مساحاته الخاصّة.

يردّ وزير الدفاع في هذه اللحظة: “الناس يريدوننا أن نحميهم، ولكنهم لا يريدون أن يعرفوا كيف نفعل ذلك”، في تبريره لما تفعله أجهزة الدولة دائمًا، وما فعلته الولايات المتحدة، خصوصًا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول عام 2001، وتوقيع الرئيس الأميركي جورج بوش آنذاك قانون الـ Patriot Act أو Providing Appropriate Tools Required to Intercept and Obstruct Terrorism.

يُترجم هذا القانون، أحيانًا، حرفيًا إلى “قانون الوطنية”، أو إلى قانون مُكافحة الإرهاب، وهو قانون خاص بتسهيل إجراءات التحقيقات والوسائل اللازمة لمكافحة الإرهاب، مثل إعطاء أجهزة الشرطة صلاحيات من شأنها الاطلاع على المقتنيات الشخصية للأفراد ومراقبة اتصالاتهم والتنصت على مكالماتهم بغرض الكشف عن المؤامرات الإرهابية. هذه الصلاحيات نفسها سمحت لاحقًا بازدياد مقدار عنف أجهزة الدولة تجاه غير المواطنين والمواطنين كذلك، فارتفعت معدّلات عنف الشرطة تجاه الشعب “للاشتباه” بأحدهم بالاعتماد على لون بشرته أو لغته، أو حتى لهجة الحديث الإنكليزية لديه.

متابعة قراءة “السياسة الأميركية دراميًا… الإرهاب داخل البيت الأبيض”