الحفلات المباشرة: سحر العروض الحية


عند الحديث عن حضورِ حدثٍ مُباشرٍ ما، يطرح الناس الكثير من الأسئلة. لماذا يدفع الناس لحضور مُباراة كرة قدم مُباشرة، طالما بإمكانهم مشاهدتها عبر الإنترنت أو الفضائيات المتخصصة؟ لماذا يصر البعض على الذهاب إلى حفلة موسيقية ويدفعون الكثير من الأموال في حين يمكنهم تحميل الموسيقى والاستماع إليها بالمجان عبر أي تطبيق أو جهاز؟
لا بدّ من وجودِ أمرٍ سحريّ يجعل هذه الصناعة في ازدهار دائمٍ. أمر يدفع الناس للشراء والحضور إلى أماكن مكتظة غالبًا. أماكن مليئة بالأصوات الصاخبة والإضاءة والضجيج. هل السحريّ في هذه الأماكن هو الحضور فقط؟ أم أنّ الحفلات المُباشرة تحمل تأثيرًا آخر؟


أدّت حفلات البيتلز في بريطانيا والعالم إلى ظهور مصطلح “بيتلمانيا”، الذي يعني حماس الجمهور الشديد لرؤية فرقة البيتلز، ودخولهم في حالة هستيرية مصحوبة بنوبات الهلع والصراخ العالي للغاية، وحالة الـ “مانيا” هذه ليست حكرًا على البيتلز، أو الحفلات الموسيقية فحسب، بل تمتد إلى أغلب أنواع العروض المُباشرة، وهي تعد إحدى العلامات المميزة لمثل هذه الاحتفالات، وما يدفع الجمهور للحضور من بين عدة أسباب أو فوائد أخرى نذكرها في هذه المقالة.
تُعطي هذه الحفلات المُباشرة للحاضرين حسًّا بالانتماء إلى مجموعة تشاركهم نفس الاهتمامات، وهذا ينطبق أكثر على من يذهبون إلى حفلات فرقهم أو مغنيهم أو عازفيهم المفضلين بانتظام، فهم يشعرون بأنهم محاطون بمجموعة من الأشخاص الذين يشبهونهم، ومستعدون لأن يمارسوا النشاط نفسه لعدة ساعات دون انقطاع. وليست بالطبع الفرصة للاستماع معًا هِي المطلوبة فقط، وإنما فرصة الالتقاء والحديث والنقاش مع أشخاص مُطّلعين على الموضوعات، ما يجعل حضور الحفلات المُباشرة خيارًا أكثر جاذبية من الاستماع على جهاز التسجيلات في المنزل.
تِشير إحدى الدراسات أيضًا إلى أنّ أدمغتنا تُفضل التجربة الحية على الممتلكات المادّية. تتعامل أدمغتنا مع الأموال كما تتعامل مع المخدّرات، وأفضل ما يفيد العقل، هو إنفاق المال على التجارب، بدلًا من “الأشياء”. وقال عالم النفس ڤان بوفين غيلوفيرتش إن الناس قالوا إنهم شعروا بحسٍ ونوع من الإنجاز حين أنفقوا أموالهم على التجارب الحية، مثل الحفلات واللقاءات الرياضية والمسرحيات. ذكرت الدراسة أعلاه الآتي: “رحلة ركوب أمواج تعطينا حسًّا بالمتعة والاندماج أكثر من شراء لوح تزلج جديد. دخول سباق دراجات هوائية يجعلنا أسعد من شرائنا لدراجة جديدة، والذهاب إلى الحفلات المُباشرة يجعلنا أكثر سعادة من شرائنا للكثير من الأغاني”.

يفضل الناس إنفاق المال على التجارب بدلاً من “الأشياء”

إضافة إلى ذلك، فإن لحضور الحفلات المباشرة فوائد نفسية جمّة، إذ ذكرت مقالة من تقرير أخبار الصحة في الولايات المُتحدّة أن حضور الحفلات يخفض مستويات الضغط النفسي، وذلك عبر خفض مستويات هرمون الكورتيزول للحاضرين. وجدير بالذكر أن الدماغ يطلق الكثير من الإندورفينات الإيجابية عند وصول حماسة الحضور لدرجة عالية، مثل بداية الغناء، حيث تزيد الروح المعنوية للجمهور معًا، وهي حالة تشبه حالة الـ «مانيا» السابقة. يعمل إطلاق الإندورفينات على إيقاف مستشعرات الألم لفترة قصيرة. يشبه الأمر مُمارسة الرياضة، لأن حضور حفلة مُباشرة يعني الكثير من الوقوف والقفز والصراخ والتحرك والتعرق، وتشير الدراسات إلى أنّ مشاهدة عدة أغانٍ مُباشرة يعادل مُمارسة الجري لمدة 30 دقيقة على جهاز الجري.

تُعد الحفلات المُباشرة في العالم واحداً من أغنى المجالات التجارية، إذ بلغت عوائدها في الولايات المُتحدة في عام 2019 حوالي 9.43 مليارات دولار، وتشير دراسة أجرتها شركة PwC إلى أن هذه الصناعة ستزيد أرباحها إلى 31 مليار دولار بحلول عام 2022، وستشكل أسعار التذاكر حوالي 24 مليار دولار منها. وكما نرى، فإن أموال الجماهير هي المكون الأكبر في الأرباح، وليست الإعلانات، وهذا يعني أن هناك رهانات قوية من الشركات على حضور الناس، ودائمًا يحضرون.
ومع ظهور حفلات البث المُباشر (عبر الإنترنت)، وانتشار خدمات بث الموسيقى في السنوات العشر الأخيرة، مثل ساوند كلاود وسبوتيفاي وديزر وأنغامي ويوتيوب ميوزك، إلا أنّ عائدات الحفلات المُباشرة شكّلت النسبة الكبرى، وما زالت تُشكّل، إذ أظهرت الدراسات أن عائدات السنة الماضية زادت 16% عن عائدات عام 2016 وهي تمامًا الفترة التي شهدت ازدهار خدمات بث الموسيقى عبر الإنترنت.

أضِف تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s