لماذا يجعلك التحدّث إلى نفسك بصيغة المُخَاطَب أكثر حكمة؟


كِتابة: ديفيد روبسون

ترجمة: أنس سمحان

يعود اقتباس «الحياة غير المُجرّبة، حياة لا تستحق أن نعيشها» لسقراط، ونعرف منه أيضًا أن الطريق لـ «معرفة الذات» هو الطريق الحقيقيّ نحو الحكمة، ولكن هل هناك طريقة صحيحة وأخرى خاطئة عند الحديث عن التأمل الذاتي Self-Reflection[1]؟

ما يحصل في عملية التأمل[2] البسيطة، هو تدوير لأفكارك وما يقلقك في رأسك،  وليس هذا ما يقصده سقراط، لأن التأمل سيقودك أكثر نحو العلوق في أفكارك والانجرار خلف عواطفك التي قد تحرفك عن الطريق الصحيح. أظهرت الدراسات مؤخرًا أن الأشخاص المداومين على عملية التأمل البسيطة[3]، يعانون كثيرًا في اتخاذ القرارات تحت الضغط، ومعرضون أكثر لخطر الإصابة بالاكتئاب.

تقترح علينا الأبحاث العلمية بديلًا آخر، يقوم على تبنّي أسلوبًا بلاغيًا قديمًا كان مفضلًا عند أمثال يوليوس قيصر، ويُعرف باسم (illeism)[4]، أو التحدث إلى الذات بضمير المخاطب . إذا كنت أفكر في حوارٍ خضّته مع صديق لي على سبيل المثال، فقد أبدأ التفكير بصمت في نفسي: «شعر ديفيد[5] بالانزعاج من…». المغزى، هو أن هذا التغيير البسيط في منظورك ناحية الأمور والآخرين قد يساعدك على إزالة الغمامة العاطفية من أمام عينيك، وسيسمح لك برؤية تحيزاتك الماضوية رؤية أوضح.

أظهر عدد كبير من الدراسات أن هذا النوع من التفكير بضمير المخَاطَب يمكن أن يحسّن من قدرة الإنسان -مؤقتًا- على اتخاذ القرارات. وأظهرت دراسة سابقة من PsyArxiv إمكانية وجود نتائج مفيدة طويلة المدى على مستوى التفكير والتنظيم العاطفي. يقول الباحثون إن نتيجة الدراسة «شكّلت أول دليل حقيقي على أنه يمكن اكتساب الحكمة المتعلقة بالعمليات الإدراكية والوجدانية عبر التدريب الحياتي اليومي وعبر سلسلة من الخطوات.

يمكن ردّ الفضل بالنتائج لأفكار العالم النفساني إيغور غروسمان بجامعة واترلو بكندا، حيث كان عمله على الحكمة من أكثر الأعمال إلهامًا لِكتابي الجَديد عن الذكاء وكيف يمكننا اتخاذ قرارات أكثر حكمة.

يهدف غروسمان لبناء قاعدة تجريبية قوية لدراسة الحكمة التي طالما اُعْتُبِرت غامضة للغاية لتوضع تحت مجهر البحث العلمي. أثبت غروسمان في إحدى تجاربه السابقة أن من الممكن حِساب/قياس التفكير الحكيم وأن نتائج تجربته مهمة بقدر أهمية نتائج اختبارات الذكاء. تمكّن الباحث من تحقيق ذلك عبر طلبهِ من المشاركين في التجربة التحدّث بصوتٍ عالٍ حول معضلات شخصية وسياسية، بعدها سجّل هذه المعضلات على عناصر مختلفة من التفكير، عناصرٌ طالما اُعْتُبِرت ضرورية للحكمة، منها: التواضع الفكري وملاحظة منظور الآخرين وإدراك حالة غياب اليقين في الآراء والقدرة على البحث عن حل وسط أو التنازل في الوقت المناسب. توصّل غروسمان إلى أن نتائج الحكمة بين يديهِ كانت أفضل بكثير من اختبارات الذكاء المتنبئة بالصحّة العاطفية والرضا عن العلاقات وهو ما يدعم فكرة أن الحكمة -إذا عُرّفت بتلك الخصائص- تُشكل بُنيَة فريدة تُساعدِ في التغلب على تحديات الحياة.

تمكّن غروسمان أيضًا من زيادة نتائج اختباراته بعملهِ مع إيثان كروس من جامعة ميتشغان في الولايات المُتحدّة الأميركية، وذلك عبر عددٍ من التجارب المُلفتة والمثيرة موضحةً قوة وتأثير التحدث إلى النفس بضمير المُخاطَب. وجد الباحثان عبر سلسلة من النتائج المخبرية ميل الناس ليكونوا أكثر تواضعًا وأكثر استعدادية لقبول وجهات النظر الأخرى عندما يُطلب منهم وصف المشاكل بضمير الصوت الثالث/المُخاطَب.

تخيّل على سبيل المثال أنك تتجادل مع شريك/ة حياتك. تبنيك للتفكير والحديث بضمير المُخاطب قد يساعدك على فهم وجهات نظرهم أو على الأقل الإقرار بحدود فهمك للمشكلة التي تتجادلون حولها. تخيّل مرة أخرى أنك تفكّر بتغيير وظيفتك، ستجد أن هذا النوع من التفكير يساعدك وزن الأمور والفوائد والمخاطر وزنًا أكثر عقلانية وأقل عاطفية.

كان بحث الدكتور غروسمان قائمًا على التدخلات قصيرة المدى فقط، ما يعني أنه لم يتضح ما إذا كان التفكير الحكيم سيصير عادة ملازمة للأشخاص عند الممارسة المنتظمة للتفكير بضمير المُخاطَبْ. وللتغلّب على هذه المُشكلة، طلب فريق د. غروسمان البحثي من أكثر من ثلاثمائة  مُشارِك وصفَ موقفٍ اجتماعيٍّ صعب، وفي الوقت نفسهِ، عمل إثنين من علماء النفس على تسجيل النتائج عبر العناصر المختلفة المُكوّنة للتفكير الحكيم (التواضع الفكري وغيرها)، وبعدها، كان لزامًا على المشاركين أن يحملوا معهم مُذكرة على مدار الأسابيع الأربعة التالية للاجتماع. طُلِب من المشاركين أن يكتبوا كل يوم في المذكرة عن موقف صعب كانوا قد واجهوه خلال اليوم، مثل الاختلاف مع زميل عمل أو بعض الأخبار السيئة. طُلِبَ أيضًا من نصف المشاركين الكتابة في تلك المذكرات بضمير الأنا وبالصوت الأول، بينما شُجِّع البقيّة على كِتابة المذكرات بضمير المُخاطَب، وفي نهاية التجربة، خضع كل المشاركين لاختبار التفكير الحكيم مرة أخرى.

كانت النتائج التي خلص إليها غروسمان، هي النتائج نفسها التي طمح إلى الوصول لها. لم تحقق مجموعة التحكّم أي تغير شامل على مستوى نتائج التفكير الحكيم، في حِين أن البقية التي اعتادت على كتابة المذكرات بضمير المخاطب قد تطورت لديها قدرات التواضع الفِكري والنظر للأمور من منظور آخر  والقدرة على إيجاد أرض مشتركة وطاقة للتنازل في وقات الحوار.

وأشارت إحدى نتائج الدراسة إلى أن الحكمة المُكتسبة حديثًا قد أفادت المُشاركين على مستويات التنظيم العاطفي والاستقرار. بعد انتهاء التجربة، كان على المشاركين أن يتنبؤوا كيف يمكن أن تتغير مشاعر الثقة أو الانزعاج أو الغضب من أحد أفراد العائلة المقربين أو من صديق خلال الشهر التّالي، وبعد انقضاء الشهر، رفع المشاركون تقاريرَ عن كيفية سير الأمور على أرض الواقع.

وكما هو الحال في التجارب المتعلقة بـ «التنبؤ العاطفي»، بالغ الأشخاص في مجموعة التحكم في تقدير مشاعرهم الإيجابية وأخطأوا في تقدير شدة مشاعرهم السلبية على مدار الشهر. أمّا أولئك الذين كتبوا المذكرات بضمير المخاطَب، فقد كانت تنبؤاتهم أكثر دقّة. وتبيّن عند الفحص الدقيق للتقارير أن مشاعرهم السلبية كانت قد حُيِّدت بالكامل، ولهذا كانت توقعاتهم الوردية دقيقة أكثر. لقد سمَح لهم تفكيرهم الحكيم المُكتسب بالعثورِ على طرق أفضل للتعامل مع الأحداث التي توقعوها.

أرى أن هذه الآثار العاطفية وآثار التجربة على العلاقة رائعة بشكل خاص، مع الأخذ في الاعتبار حقيقة أن التفكير بصيغة المُخاطَب غالبًا ينظر إليه على إنه فعل صبياني/طفوليّ. فكّر الآن في شخصية Elmo في برنامج الأطفال التلفزيوني شارع سمسم[6]، أو شخصية جيمي المزعجة بشدة في مسلسل سينفيلد Seinfeld[7]، والذين يمثّلون نماذج من أشكال التفكير المتطور. فِي أحيان أخرى طبعًا، يمكن اعتبار التحدث إلى الذات بضمير المخاطب علامة على الشخصية النرجسية، وهو العكس تمامًا من الحكمة الشخصية. لقد اعتقد كوليردج أن التفكير بضمير المخاطب ليس إلَّا خدعة للتستر على الأنانية الفردية: فكِّر في نقَّاد الرئيس الأمريكي الحالي، والذين أشاروا إلى أن دونالد ترامب غالبًا ما يتحدث عن نفسه بضمير المخاطَب. من الواضح أن السياسيين قد يستخدمون هذا الأسلوب لأغراض بلاغية بحتة، لكن عند تطبيقه على التفكير الحقيقي، فسنجد أنه أداة قويّة وفعّالة في رفع مستويات التفكير الحكيم.

وكما أوضح الباحثون، فسيكون من المثير رؤية نتائج الدراسة ما إذا كانت ستصلح على مختلف أشكال اتخاذ القرارات بعيدًا عن المشاكل والمعضلات الشخصية المدروسة في تجربة غروسمان. هناك الكثير الأمور التي تدعونا لتصديق ذلك، فقد أظهرت دراسات سابقة أن التأمُّل[8] قد يؤدي إلى خيارات أسوأ في لعبة البوكر (ولذلك تجد اللاعبين المحترفين يسعون ليكونوا في حالة انفصال عاطفي عن كل شيء وقت اللعب) وأنه كلما زاد الوعي والتنظيم العاطفيان، تحسّن الأداء في سوق الأوراق المالية.

يواصل غروسمان في الوقت الحالي عمله على إثبات أن موضوع الحكمة يستحق دراسة تجريبية. من المعروف أن من الصعب زيادة الذكاء العام للإنسان عبر تدريب الدماغ، لكن النتائج أعلاه تشير إلى أنه يمكن للجميع التدرب على اكتساب قدرات التفكير الحكيم واتخاذ القرارات الأفضل.

المقالة باللغة الإنجليزية هنا


[1] جدير بالذكر أن فعل الفلسفة يعد فعلًا تأمليًا Reflective.

[2]  أو عملية اجترار الأفكار، كما تترجم في الأوساط النفسية (rumination).

[3] Rumination.

[4]  نحتَ المصطلح الشاعر الرومنسي صامويل كوليردج في عام 1809 الكلمة اللاتينية Ille والتي تعني أنت أو ذاك. لا توجد ترجمة للمصطلح (المُترجم).

[5] كاتب المقالة.

[6] تحمل الشخصية الاسم نفسه في النسخة الإنجليزية والعربية من المسلسل (المترجم).

[7] في حلقة بعنوان The Jimmy – الحلقة التاسعة عشرة من الموسم السادس (المترجم).

[8] استخدم الكاتب كلمة rumination.

أضِف تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s