فَانُون


فَانُون[1]

كتابة: توبياس وولف. كاتب قصة قصيرة أميركي وكاتب مذكرات وروائي، وهو معروف بمذكراته حياة هذا الصبي (1989) وفي جيش فرعون (1994). وقد كتب مجموعتين قصصيتين قصيرتين، بما في ذلك (The Barracks Thief (1984، والتي فازت بجائزة PEN/Faulkner للأدب.

ترجمة أنس سمحان


نادى مُحرر صحيفة «ذا مترو» عليّ بالاسم عبر غرفة الأخبار وأومأ لي. عندما وصلت إلى غرفتهِ، وجدته جالسًا خلف المكتب، وإلى جانبهِ رجل وامرأة. بدا الرجل مستفزًا وهو واقف على قدميهِ، بينما جلست المرأة في كرسيها مترقبة بوجهها النحيل وممسكة حزام حقيبتها بكلتا يديها. كان لون بدلتها متطابقًا مع لون شعرها الرمادي المزرق. بدت متأهبة مثل جندي. أما الرجل، فكان قصيرًا وممتلئًا تمامًا. أعطته الأوعية الدموية البارزة في خديهِ منظر الرجل المرح، ولكن هذه المنظر اختفى تمامًا مع ابتسامته.

«لم أُرِد أن أفضحك،» ثم نظر إلى زوجته وقال، «ولكن رأينا أن عليك أن تعرف».

«طبعًا علي أن أعرف،» قال محرر الصحيفة موجهًا الكلام ناحيتي «أعرّفك على السيد گيفنز. السيد رونالد گيفنز. هل تذكر الاسم؟»

«ليس تمامًا».

«دعني أعطيك تلميحًا. السيد گيفنز ليس ميتًا».

«حسنٌ»، قلت له، «لقد فهمت».

«سأعطيك تلميحًا آخر» أضاف المُحرر، ثم أخذ يقرأ في صحيفة الصباح نعيًا كنت قد كتبته وأعلنت فيه وفاة السيد گيفنز. كتبت البارحة  سيلًا من النعايا، حوالي عشرون نعيًا، ولم أتذكر أي منها تقريبًا، ولكني أتذكر تلك الجزئية عن السيد گيفنز وعن عمله في دائرة الإيرادات الداخلية لثلاثين سنة. لقد واجهت مشاكلًا مؤخرًا مع الدائرة، ولذا لم أنْسَ هذه الجزئية.

وبينما كان السيد گيفنز يستمع إلى نعيهِ، نقّل أنظاره فيما بيننا. لم يكن قصيرًا كما اعتقدته. نشأ انطباعي بقصره لأنه كان قد حنى كتفيهِ ودفع برقبته إلى الأمام مثل السلحفاة. له عينان ناعمان ومضطربتان، استخدمهما مثل فلاحٍ في مراقبة الغرفة دون تحريك وجهه.

ضحك عندما انتهى المحُرر من القراءة. «على الأقل كان النعي دقيقًا».

«إلا من أمرًا واحدٍ،» نطقت المرأة وهي تحدق بي.

توجهتُ بالكلام لگيفنز، «أدينُ لك بالاعتذار، يبدو أن أحدهم قد خدعني».

«اعتذارك مقبول!» قال السيد گيفنز، ثم فرك يديه كما لو أننا قد وقعنا على أمرٍ ما. «هذا أمر مضحك يا دولي. ماذا قال مارك تواين؟ “إن تقارير وفاتي…”»

«ما الذي حصل؟»، سألني محرر الصحيفة.

«ليتني أعرف».

«الإجابة ليست مرضية»، قالت المرأة.

«دولي منزعجة»، علّق گيفنز.

قال محرر الصحيفة «لديها كل الحق لتكون منزعجة»، ثم سألني «من أعلمك بخبر وفاته؟»

«لأكون صادقًا، فأنا لا أتذكر. أفترض أنّه كان الحانوتي أو شخص يعمل لديه».

«هل اتصلت عليهم لتأكد الخبر؟»

«لا أذكر أني اتصلت. لا».

«هل تحققت مع العائلة؟»

«بالطبع لا» قالت السيدة گيفنز.

«كلا» أجبت.

سأل المُحرر «ما الإجراءات التي نقوم بها قبل نشرنا لأي نعي؟»

«أن نتحقق من الخبر مع الحانوتي والعائلة».

«ولكنك لم تتحقق من الخبر».

«لا يا سيدي. لم أفعل».

«ولِمَ؟»

أومأت بيدي عاجزًا وحاولت أن أبدو منصعقًا من الأمر، ولكن لم تكن لدي إجابة. في الحقيقة، لم ألتزم يومًا بهذه الإجراءات. يموت الناس على الدّوام. لم أجد أية فائدة ترجى من سؤال أهلهم عن حقيقة موتهم، أو من الاتصال بالحانوتي لأتأكد منه أنه قد اتصل بي وأعلمني بالوفاة. هذه الإجراءات مضيعة للوقت، ولم أفكر أن أحدهم قد يسلي نفسه بالاتصال وتلفيق أخبار وفاة لأناس آخرين. ولكني الآن عرفتُ حماقتي، وفشلتُ فشلًا ذريعًا في تقدير تنوع المُتع البشرية.

ولكن هذا ليس كل ما في الامر، فأنا في أقل مراتب العمل بالصحيفة، وكتبت الكثير من النعايا. في بعض الأيام كانوا يخيروني بين صفحة الزواجات وصفحة النعي، ولكني كنت أكتب النعايا أكثر من أي شيء آخر، نعي بعد الآخر، من الصباح وحتى المساء. وبعد مرور أربعة أشهر في هذا العمل، صرتٌ واعيًا بالموت. أزعجني الموت. وما شحنني بغطرسة مرضية مرهقة، هو شعوري بأني أعراف أسرارًا لا يعرفها ولا يتوقعها أحد. أعطاني عملي بعدًا فلسفيًا لقيمة الإيمان والشغف والعمل الدؤوب في مرحلة من حياتي كنت بحاجة إليها. أصابني هذا بالابتئاس.

كان علي أن أستقيل، ولكني لم أرغب بالعودة إلى الأعمال التي خضتها مسبقًا قبل أن يتوسط أب صديق لي لأحصل على هذا العمل. اعتدت العمل نادلًا في أغلب الوقت أو الحراسة الليلية للمباني السكنية، وفي أي عمل كان يتيح لي أيامًا كثيرة غير مشغولة أتفرغ فيها للكتابة. عشت على هذا المنوال لسنوات ثلاثة، وكيف كان نتاجي؟ بعض القصص القصيرة المنشورة في مجلات أدبية لا يقرأها أحد، ولا حتى أنا. أخذ صبري بالنفاد. تنازلت عن كثير من كتاباتي، ولم يكن يوجد أي مردود في المقابل. لا احترام ولا مال ولا حُب. لذا وعندما أتيحت لي فرصة العمل هذه، أخذتها. كرهتها ولم أكن جيدًا فيها، ولكني أردت العمل فيها. فكرت بأني سأنتقل في يومٍ من الأيام إلى منطقة نائية بشرطة جوالة، وستتحسن الأمور في المستقبل.

تمنيتُ لو أن المُحرر قد ترك الأمر كما هو ولو أنه سمح لي بمغادرة الغرفة، إلا أنه استمر في طرح الأسئلة، على الأرجح استعراضًا أمام السيد گيفنز وزوجته، ليريهم كيف يعمل المحرر الحقيقي. أُجبرتُ في النهاية على الاعتراف صراحةً بأني لم أتصل بالعائلة ولا بأي حانوتي في ذلك اليوم، ولا حتى في أيٍ يوم سابق قبله.

بعد استخراجه للاعتراف، بدا المحرر محتارًا فيما سيستخدمه، فقد حصل على أكثر مما أراد. جلس دون حراكٍ لوهلة، ثم قال لي «لأستوضح منك: كم مضى على نشر صحيفتنا لنعايا غير مؤكدة؟»

«ثلاثة أشهر تقريبًا» أجبته. ومع إقراري بهذا، شعرتُ بابتسامة ترتسم على وجهي، وقد ظهرت الابتسامة قبل أن أتمكن من مقاومتها أو محوها. ارتسمت نتيجة ذعري. كانت الابتسامة نفسها التي أظهرتها لأمي حينما أخبرتني بوفاة والدي. ولكن محرر الصحيفة لا يعرف سبب الابتسامة ولا سياقها.

انحنى إلى الأمام في كرسيه وهز رأسه مثلما يهز أي حصان رأسه، ثم قال، «اجمع أغراضك وانصرف». لا أعتقد أنه كان ينوي طردي من العمل. بدا متفاجئًا بكلماته. ولكنه لم يسحبها.

نقّل گيفنز نظراته بيننا، ثم قال «لنهدأ الآن. دعونا لا نعطي الأمر أكبر من حجمهِ. هذا موقف للتعلم، ولا يجب أن يخسر الرجل مصدر رزقه جرَّاءه».

«لم يكن ليخسر عمله إذا كان يؤدّيه جيدًا» قالت السيدة گيفنز.

كان كلامها منطقيًا ولا يحتمل الخطأ.

جمعت أغراضي، وبينما هممتُ بمغادرة المبنى، لاحظتُ گيفنز واقفًا بجانب كشك الصحف مراقبًا الباب. لم أرَ زوجته. مشي ناحيتي ثم رفع يده وقال «ماذا بمقدوري أن أقول؟ أنا عاجز عن التعبير».

أخبرته «لا تشغل بالك».

«صدقني، لم أقصد أن أتسبب في طردك. ولأكون صريحًا معك، لم تكن فكرتي حتى أن آتي إلى هنا».

«دع عنك هذا الأمر. أنا المُخطئ». كنت أحمل صندوقًا ممتلئًا بدفاتر الملاحظات والملفات وبعض الكتب. كان الصندوق ثقيلًا. نقلته تحت يدي الأخرى.

«اسمع،» قال گيفنز، «لمَ لا تدعني أدعوك إلى الغداء، ما رأيك؟ هذا أقل ما يمكنني فعله».

نظرتُ إلى الطريق.

«عادت دولي إلى البيت،» قال، «سنكون لوحدنا، ما رأيك؟».

لم أرغب بتناول طعام الغداء مع گيفنز، ولكن يبدو أنه يريد ذلك بشدّة، وفي الوقت نفسه، لم أشعر بالحاجة للعودة إلى بيتي بعد. ماذا أفعل؟ بالطبع، أخبرته بأن الغداء سيكون مناسبًا. سألني گيفنز ما إذا كنت أعرف أي مطعم قريب. يوجد مطعم صيني على بعد عدة مباني، ولكنه مشغول دائمًا بكثير من الصحفيين. لم أرد أن أراهم يتظاهرون بالتعاطف معي، لأنهم سيضحكون عليّ بعد مغادرتي تمامًا، ولا يمكنني أن ألومهم. اقترحت مطعم تاد لشرائح اللحم بالقرب من دوار التلفريك. يمكنك طلب 6 أوقيات من لحم الفوفليه والسلطة والبطاطا المطبوخة فقط بدولار و29 سنت. كان العام 1974.

«لستُ فقيرًا إلى هذه الدرجة»، ردّ گيفنز، ولكن لم يجادلني، وتوجهنا بعدها إلى المطعم.

حرّك گيفنز طعامه قليلًا، ثم دفع صحنه بعيدًا عنه، وأخذ يتأمل صحني. عندما سألته عن جودة شريحة اللحم، أجابني بألّا شهية لديه للأكل.

«حسنٌ،» سألته، «من تظن أخبرني بموتك؟»

كانت رأسه محنية. رفع ناظريه إلي من تحت حواجبه. «هذا ما لا أعرفه. المتصل الغامض».

«لا بد أن لديك تخمين على الأقل»

«لا. ولا أدنى فكرة»

«هل تظنه أحد الأشخاص الذين يعملون معك؟»

«لا». هز علبة نكاشات الأسنان، وأخرج منها واحدًا. كانت يداه شاحبة وقوية.

«لا بدّ أنه شخص يعرفك. لديك أصدقاء، أليس كذلك؟»

«بالتأكيد».

«ربما اختلفت مع أحدهم، أو شيء من هذا القبيل. وصار الشخص مغتاظ منك».

غطّى فمه بإحدى يديهِ، بينما نظف أسنانه باستخدام نكاشة الأسنان بيده الأخرى. «هذا ما تعتقده؟ لقد فكرت في الأمر على أنه مزحة من نوع ما.»

«حسنٌ، ولكنها مزحة صارمة للغاية. أن تتصل وأن تبلغ عن وفاة شخص ما. مزحة تحمل في طياتها تهديدًا. كنت سأشعر بالتهديد لو فعلها بي أحدهم».

انتهى گيفنز من تنظيف أسنانه ورمى عود التنظيف في المنفضة. «لم أفكر بهذه الطريقة،» قال معلقًا، «ربما تكون مصيبًا».

ولكنه لم يصدّقني ولو حتى لثانية، أو يبدو أنه لا يفهم ما حصل. لقد ذُكر اسمه في حضرة كلمات النعي والموت، والآن سيعيش حياته بالعلاقة مع هذه الكلمات، وفي طباق تامٍ معها، إلى أن تغلبه حقيقتها، وتصير واقعًا. وقّع أحدهم عقد الموت عن گيفنز، وكانت الكلمات سلاحه. أو هكذا ظهرت القصة.

«تبدو متأكدًا أنه ليس أي من أصدقائك؟» قلت له، «أي أمر قد يكون الدافع. تلعب أنت وأحدهم أوراق الكوتيشنا، وجمعت غنائم كثيرة، ولكنك انسحبت قبل أن يتاح لهم جمع خسائرهم».

«لا ألعب الكوتيشنا»، رد گيفنز.

«ماذا بخصوص زوجتك إذًا؟ أية مشاكل؟»

«كلا».

«سمنٌ على عسل؟ هاه؟»

أومأ بكتفيه وقال «كما كان دائمًا».

«لماذا تناديها دولي؟ لم يكن اسمها هكذا في النعي».

«لا يوجد سبب. طالما ناديتها بهذا الاسم. الكل يناديها بهذا الاسم».

«لا تبدو لي مثل شخصٍ اسمه دولي»، قلت.

لم يُجب، وظلَّ يراقبني.

«ولنفترض أن دولي غضبت منك، واشتعل الشرر في رأسها… وأرادت أن ترسل لك رسالة، رسالة خارج قنوات التواصل العادية».

«مُستحيل،» أجاب گيفنز دون أن يُستفَز. لم يحاول إقناعي، لذا فكّرت بأنه قد يكون مُحقًا.

«لديك ابنة لا تزال على قيد الحياة؟ ما اسمها مرة أخرى؟»

«تينا،» ردّ علي بصوتٍ عطوف.

«ربما تكون تينا. كيف علاقتك بتينا؟»

«بيننا بعض المشاكل، ولكني أضمن لك أنها لم تكن الفاعلة».

«دخلك يا رجل،» قلت له، «أحدهم اتصل بي وأنبئني بوفاتك».

انتهيت من تناول شريحة اللحم أمامي، وسرحتُ أنا أشاهد العرض في الخارج: شاربو الكحول الرخيصة والمبشرون والمرضى الخارجيون والعاهرات والهيبيون الزائفون الذين يبيعون الأوريغانو للسياح بأحذية بيضاء. كان الشارع يبدو مثل مسرحية مكتملة، حتى إن رائحة الفشار تصاعدت من مطعم وولورث. غالبًا ما ارتادَ ريتشارد بروتيغان هذا المكان. أتخيله الآن طويل وقوي، ينحني إلى طعامه ويأكل ببطء، يتأمل مع كل قضمة وعيناه تتجهان إلى الشارع. حدثت بعض الأشياء المضحكة هنا، وبعض الأشياء المروعة أيضًا. استوعب بروتيغان كل هذا ولم يتوقف عن الأكل.

أخبرت گيفنز أننا نجلس على الطاولة نفسها التي اعتاد ريتشارد بروتيغان الأكل عليها.

«عفوًا؟»

« الكاتب ريتشارد بروتيغان».

هزَّ گيفنز رأسه.

صرتُ جاهزًا للعودة للبيت. «حسنٌ،» توجهت له بالحديث، «أخبرني، من يريدك ميتًا؟».

«لا أحد يريدني ميتًا».

«أحدهم يتخيلك ميتًا. فكر بالأمر. والرغبة تؤدي إلى الفعل».

«لا أحد يريدني ميتًا. مشكلتك أنك تعتقد أن وراء كل شيء معنى ما».

كانت هذه إحدى مشاكلي فعلًا، ولا يمكنني إنكارها.

«من باب الفضول»، قال گيفنز، «ماذا كان رأيك؟»

«رأيي بماذا؟»

«بنعيي». انحنى للأمام قليلًا، وأخذ يلعب بعلبتي الملح والفل الأسود وبالنقر عليهما وبتحريكهما كما لو كانتا في رقصة المربّع الإنجليزية. «ما أقصده، هل أخذت فكرة عني؟ وعن شخصيتي؟»

هززت رأسي.

«لم يعلق أي شيء في عقلك؟»

أجبت بالنفي.

«حسنٌ. ربما لا تمانع إخباري بالأمور التي قد تجعلك تتذكر شخصًا؟»

«اسمع،» قلتُ، «تخيل نفسك تكتب نعايا طوال اليوم. بعد وهلة تتداخل بين بعضها البعض».

«أعي ذلك، ولكن لا بد أن تتذكر بعض من كتبت عنهم».

«بعضهم؟ بالتأكيد».

«من منهم؟»

«الكُتاب الذين أحبّهم. لاعبو البيسبول المشاهير. نجوم الأفلام ممن وقعت في غرامهم».

«المشاهير إذن؟»

«بعضهم نعم، وليس كلهم».

«يمكن للمرء أن يعيش حياة رغيدة سعيدة دون أن يكون مشهورًا،» قال معلقًا. «ذوي الأسماء الكبيرة ليسوا دائمًا أشخاص كِبار».

«ما تقوله حقيقة،» رددت عليه، «ولكنها حقيقة المعدمين والمستضعفين».

«بالله عليك؟ وأنت مع من؟»

لم أجبه.

«لو أن الأسماء الكبيرة هي ما تثير إعجابك، فهذا يجعلك قزمٌ عادي. أو على الأقل أراك هكذا.» جحرني بنظراته، وأمسك بعلبتي الملح والفلفل الأسود كما لو أنها مسدسات على وشك أن تطلق النار.

«ليس هذا كل ما يثير إعجابي».

«حقًا؟ ماذا أيضًا؟»

صمتُ لمهلة بعد السؤال لأستوعبه، ثم قلت «التميز الأخلاقي».

كرر كلماتي عليّ. بدت متعالية.

فقلت له، «أنت تعرف ما أعنيه».

«صححني ما إذا كنت مُخطئًا،» أجابني، «لدي شعورٌ بأن هذا ليس مجال تفوقك.. التميز الأخلاقي».

لم أجادله.

«وأنت أيضًا لستَ مشهورًا».

«طبعًا».

«ماذا تكون أنت إذن؟» وعندما لم أجبه، أكمل قائلًا، «هل تعتقد أنك ستتذكر نعيك؟»

«غالبًا لا».

«لا يمكنك أن تضع “غالبًا” هنا! أنت لم تفكر في الأمر حتى».

«حسنًا، لن أتذكره قطعًا».

«لم تفكر في الأمر، وهذا يجعلك مُخطئًا. ربما تتحلى أنت ببعض الصفات الأخرى التي ستظهر إذا ما اقترب أحدهم منك. صفات جيدة. لكل منا صفاته. بما تفخر من صفاتك؟»

«دائمًا أنجو،» أجبته. ولكني لم أعتقد أن مثل هذه الصفة سيكون لها قيمتها في نعي.

قال گيفنز، «أما أنا فأفخر بالولاء. ستجد الولاء واضحًا في حياتي. كنت لتلاحظ ذلك لو أنك أمعنت النظر. عندما تقرأ أن رجلًا خدم دولته وقت الحرب، وبقي متزوجًا لنفس المرأة لاثنين وأربعين عامًا، وعمل في الوظيفة نفسها، عليك أن تلاحظ الأمر. كان يجدر بهذه المعلومات أن ترسم في مخيلتك صورة».

توقف ليهز رأسه موافقًا على كلماته، ثم قال «ولم يكن الأمر سهلًا دائمًا».

ضحكت في تلك اللحظة، ضحكتُ على سذاجتي. «أنت من فعلها،» قلت له، «أنت من فعلها!».

«ماذا فعلت؟»

«اتصلت بخصوص النعي».

«ولم عساي أفعل ذلك؟»

«أخبرني أنت».

«سيكون هذا إقرار بالفعل». لم يتوقف گيفنز عن الابتسام، فخورًا بدهائه.

قلت له «لقد فقدت عقلك،» ولكني لم أعنها. لم يكن أي مما فعله گيفنز غير مفهوم بالنسبة لي، بل كان مثيرًا للإعجاب، على الرغم مما فعله بي. لقد كان يحلم بالمشي في جنازته. لقد ارتدى بدلته الأخيرة، وتخيل نفسه مُجهزًا وممدًا، واستمع إلى نعيه الخاص. وأجمل ما في الموضوع، هو أن بُعث إلى الحياة بعدها. لقد كانت هذه نقطة الحقيقة، حتى لو اعتقد أنه فعل ذلك ليرعب دولي أو ليستعرض فضائله أمام الناس. لقد أراد أن يُبعث من جديد، وقد ذاقها جامع الضرائب. لقد كان حدثًا إنجيليًا.

«أنت حصيف يا سيد گيفنز. أنت حصيف فعلًا».

«لم آتِ إلى هُنا لتهان كرامتي».

أعاد كرسيه إلى مكانه ووقف. «لدي أمور مفيدة أقوم بدلًا من الجلوس هنا والاستماع إلى هذه الاتهامات».

تبعته خارجًا. لم أكن جاهزًا لأدعه يذهب في سبيله. كان عليهِ أن يخبرني بأمر ما أولًا. قلت له «اعترف بأنك اتصلت».

استدار إلى الناحية الأخرى، ودخل في شارع پاول.

قلت له «اعترف وانتهِ، لن أخبرَ أحدًا».

واصل المسير في الزحام متقدمًا برأسه الخارجة إلى الأمام مثل السلحفاة. مشى بسرعة. وعندما غضبتُ، أمسكت بذراعهِ ودفعته إلى إحدى المداخل على جانب الطريق. انتفخت عضلاته تحت أصابعي. حاول الفرار، ولكني شددت قبضتي، ووقفنا من دون حراك، نافرين.

«اعترف».

هزَّ رأسه نافيًا.

«سأطق عنقك إذا لم تستجب» صرخت عليه.

«دعني».

«لو حصل لك أي شيء الآن، فسيكون نعيك في محلهِ. ولربما أتمكن من استعادة عملي».

حاول الفرار مُجددًا، ولكني منعته.

قلت له، «ستكون قصة مُثيرة».

شعرت بارتخاء ذراعه. ثم قال متمتًا بصوت بالكاد كان مسموعًا، «نعم». نطق بكلمة واحدة.

كانت هذه الكلمة أفضل اعتراف يمكنني الحصول عليه. كانت كافية. عندما تركت ذراعه، التف وأنزل رأسه في رقبته وانضم إلى تيار الناس المتدفقين في الشارع. عُدت إلى مطعم تاد لآخذ صندوق أغراضي. كان أمامي مباشرة ممثل صامت يتتبع شابًا ممتلئًا يرتدي بدلة من ثلاث قطع، ويحاول أن يلتقط الطمأنينة والثقة منه ومن إمالة ذقنه المتعجرفة. ضحكت فتاة ما بصخب. نظر الرجل الممتلئ إلى الوراء وتجمد الممثل الصامت، وبقي على وضعيته إلى أن تجاوزته. رميتُ له 25 بنسًا، علَّه يسمح لي بالمرور.


[1] اسم القصة Mortals، والتي تستخدم لتعني «البشر» عادة، ولكن مفردها يعني شخصٌ فانٍ غير مُخلَّد.

أضِف تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s