متاحف المتروبول: السارق يعيد تعريف المنهوبات


في كتاب الاستشراق، يتناول إدوارد سَعيد اقتباسًا لبلفور، يتحدث عن شرعية بقاء الإمبراطورية البريطانية في مصر: “إننا نعرف حضارة مصر أكثر من معرفتنا حضارة أي بلد آخر. إننا نعرفها قديمًا، إننا نعرفها معرفة حميمية، ونعرف أكثر عن مرحلة ما قبل التاريخ، في وقت تجاوزت فيه الحضارة المصرية ذروتها”. ويتذرّع هنا أن الدافع لبقائه في مصر هو المعرفة بها، ويزيد عليها بأنهم يعرفون مصر أكثر مما يعرفون إنكلترا.

إذن، فإن الذَريعة للهيمنة على الآخر، هي المعرفة به، وهنا المعرفة سابقة وشرط للهيمنة المُدّعاة. هذه هي الادعاءات نفسها التي ساقتها دول الاستعمار على مدار عدة قرون لنهب ثروات البلاد الأخرى وجهودها. وفي حالة مصر، وكثير من الدول ذات الحضارات العريقة، استخدموا ذريعة “نعرفها أكثر مما نعرف أنفسنا” لسرقة آثارها، لتكون المعرفة بالشيء هُنا شرطًا ضَروريًّا لفرض الرأي والسرقة، ولكن تحت مُسميات أخرى مثل “الحماية” أو “الحفظ” أو “الصون”، وغيرها من المُصطلحات التي تحمل في طياتها ذلك الغرور الاستعماري “المُتحضّر” الذي ينقذ الناس في المُستعمرات من “تخلفهم”.

في شهر يونيو/حزيران عام 2013، أعاد المتحف المتروبولي للفن في نيويورك تمثالاً وحجراً رمليّا يعود تاريخهما للقرن العاشر إلى كمبوديا، وكانا قد سُرقا في عصر حكم حزب الخمير الحُمر هُناك في سبعينيات القرن الماضي.

وفي تموز/ يوليو 2017، أعادت شركة Hobby Lobby للحرف اليدوية إلى العراق 5500 قطعة أثرية، بما في ذلك ألواح طينية مسمارية قديمة كانت قد هُرّبت تهريبًا غير قانوني إلى خارج البلاد في عام 2009 وتم تمويهها على شكل بلاط.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2017، أعادت فرنسا إلى مصر ثمانية تماثيل صغيرة عمرها 3000 عام كانت قد هُرّبت تهريبًا غير قانوني خارج البلاد وصادرتها السلطات الفرنسية في محطة قطار في باريس.

تُعرف عملية إعادة الآثار إلى بلادها الأصلية بالـ repatriation، وهي تعني حرفيًا إعادة اللاجئين طوعًا إلى بلدانهم الأصلية، وتستخدم مع الآثار للإشارة إلى أنها لاجئة وغريبة في المتاحف الغربية، وأنها يجب أن تعود في يومٍ من الأيام إلى الأماكن التي كانت فيها. لفترة طويلة، كانت فكرة الإعادة مرفوضة قطعًا تحت الذرائع المذكورة أعلاه، ولكن مع اشتداد حركات الحُريات الثقافية والصوابية السياسية، صار هناك توجّه عالمي لفعل الإعادة، وحاول بعد القادة السياسيين تسجيل مواقف دولية بحديثهم حول هذا الأمر، مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي قال في مؤتمر ذي علاقة: “أنا من جيل من الشعب الفرنسي لا يمكنه إنكار جرائم الاستعمار الأوروبي وهي تشكل جزءًا من تاريخنا. لا يمكنني قبول أن جزءًا كبيرًا من التراث الثقافي من العديد من البلدان الأفريقية موجود في فرنسا […] في السنوات الخمس المقبلة، أريد تهيئة الظروف لإعادة مؤقتة أو دائمة للتراث الأفريقي إلى أفريقيا […] لا يمكن أن يبقى التراث الأفريقي أسير المتاحف الأوروبية”.


صحيح أن حركة الحقوق بدأت بقرارات يونيسكو المتعددة في السبعينات أو قرار 2007 “حق السكان الأصليين” والذي يعطي المواطنين في بلادهم حق المُطالبة بكل ما أخذ منهم غصبًا أو تحت التهديد أو سرقةً، ولكن ما بدأه ماكرون في دقيقتين، بدأ تأثيره قويًا، بإعلان الدول الأفريقية بمطالبات رسمية بعودة آثارها الكُبرى والصغرى من الدول اليوروأميركية.

ماذا لو حصل الأمر واستعيدت كل الآثار؟ بُنيت المتاحف بالمقام الأول في كنف القوة الإمبريالية لتكون شاهدة على “فتوحات” الدول، وقدرتها على السيطرة، وارتبطت عملية جمع الآثار والتنقيب عنها ارتباطًا وثيقًا بسيكولوجية الهيمنة لدى المُستعمر نفسه. في ذلك العصر كُتبت الروايات، وأُلّفت القصص، وغنّى الغلمان عن الرحالة والمستكشفين في “شرق أوروبا” بحثًا عن الكنوز والمخطوطات، ما أدّى لاحقًا إلى إرثٍ استشراقيّ كبير عن “الشرق” إلى جانب ما سُرِق منه.

يُعرّف أحد الباحثين وظيفة المتحف بأنها “سّست أيضًا لتحضير الطبقة العاملة”. يمكننا مناقشة هذه الوظائف، ولكنها تبقى في أساسها ذات بُعد استعماري، وقائمة على عرض قطع أثرية لا تنتمي لسياقها المكاني أولًا، والزماني ثانيًا. يتساءل كثير من المتطرفين للسردية الأوروبية، إلى ماذا ستركن المتاحف لاحقًا إذا ما أُعيدت آثارها، فالإجابة تحمل وجهين، الأول، تعرض آثارها الخاصة، والتي تحمل معها سيرورة تطورها على مر العصور أولًا، وثانيًا، لم تعد وظيفة المتاحف تقتصر على عرض القديم، فقد انتشرت المتاحف/المعارض الحديثة انتشارًا كبيرًا مؤخرًا، لتدعم وصول الفنانين القُدامى والجُدد إلى أكبر قدرٍ من الناس، وحتى إن كانت هذه تنطوي على صناع إرثٍ جديد، فهو واحد من الوظائف المُتعددة التي يمكن إسنادها لها. ليست وظيفة أي أحد إلا السارق نفسه أن يعيد تعريف وظيفة المَتحف، وألّا يستخدم هذا السؤال لفرض وجهة نظره، حيال إعادة ما أخذ بالقوة أو عنوة أو حتى شراءً بأسعار زهيدة، لأن الحُجج المساقة والمرتبطة بالمعرفة بالأمر، هي حجج انتهت صلاحيتها مع عصر انتهاء الاستعمار، وحجج الأبولوجية الاستعمارية والإمبريالية أيضًا.

يحاول قيّمو المتاحف مؤخرًا تعزيز ثقافة الحق والأصالة في المتاحف، وذلك عبر كسر العلاقة الوطيدة بين “الكولونيالية” و”تأسيس المتاحف”، من خلال دعوة المهتمين بالفنون للانخراط شعبيًا في مجتمعاتهم، والبحث عن المجموعات، وإطلاق المعارض، وإقامة البرامج التوعوية حول الفنون والآثار.
إن عملية سرقة الآثار والقطع واللوحات الفنية (أو حتى تدميرها أحيانًا) لم ينتهِ بنهاية عصر الاستعمار في العالم، وهذا لارتباطه بسياسات القمع والفوضى، ولذلك، ومع الفوضى في المنطقة العربية في العقدين الأخيرين، مثل حرب العراق والثورة السورية وما يحصل في ليبيا واليمن ومصر، فقد ظهرت صنعة تهريب أو تخريب الآثار هُناك وبيعها، وفي ظل غياب حكومات أو هيئات تحاول الحفاظ على تاريخها وهذا لانشغالها في ترسيخ حكمها، فإن النهب، يصبح إلى حدٍ ما مشروعًا بالنسبة لمن يقومون به، وتقع المسؤولية الكبرى بعدها على مَن يشتري هذه الآثار، وهو ما حدا بالأمم المُتحدة في فبراير/شباط عام 2015 لتوقيع اتفاقية تطالب فيها الدول بأخذ خطوات جديّة لمنع التجارة بالآثار السورية والعراقية المسروقة. كل هذا لا يعني قطعًا أن النقاش حول عملية الإعادة للآثار قد انتهى أو أن متاحف المتروبول صارت مُلزمة بالتخلي عن “ممتلكات” الدول الأخرى للصالح الإنساني، لأن كثيرًا من الدول لم تطالب بآثارها نظرًا لعدم امتلاكها للأدوات المطلوبة للاحتفاظ بتلك الأدوات.

أضِف تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s