لماذا لا تملك دولة الاحتلال «حق الدفاع عن نفسها»؟


مُلاحظة من المُترجم: لأن ترجمة هذه المقالة سُتنشر على مدونتي وليس في أي من المواقع أو المجلات الأخرى، ولأن نشرها سيكون حرًا، وغير مرتبطٍ بمؤسسة أو جسمٍ ما، فقد آليت أن تكون الترجمة بتصرّف، وأن أشيرَ إلى «إسرائيل» على أنها دولة الاحتلال طُوال الوقت.  أعي تمامًا أن هذه مقالة رأي لكاتبها، ولكن هذه مدونتي، ولا أريد أن أذكر اسم دولة الاحتلال إلا إن كان السياق يتطلب ذكرها (بين مزدوجين/صفة/سلبية). وسأعمد أيضًا إلى إضافة مُلاحظات خاصّة مني لتطوير المادّة. الهدف من تمرين عدم ذكر دولة الاحتلال إلا بما هي عليهِ، دولة استعمار استيطاني إحلالي، هو عدم التعوّد على ذكرها ليصير استخدامها بشكل طبيعي إطلاقًا.


«لدى إسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها»، لربما كانت هذه واحدة من أكثر الجمل انتشارًا لفظًا وكتابةً عن المعسكر الغربي سواء في الإعلام أو في القانون أو في الإدارة السياسية والشخصيات الرسمية. صارت الجملة دليلًا في حد ذاتها للدرجة التي لم تعد ثمة حاجة لتبريريها أو توضيحها.

ولكن دولة الاحتلال اليوم تستخدم «حق الدفاع عن النفس» كوسيلة وأداة خطابية لإيقاع الحرب وإشعالها ولتبرئة نفسها. فاستخدام دولة الاحتلال لهذه الحجة يغير طبيعة الحوار من كونها دولة استعمارية تمارس جرائهما ضد الفلسطينيين إلى ردة الفعل عليها نتيجةً لأفعالها.  تحرم دولة الاحتلال الفلسطينيين من حقوقهم الإنسانية، بما في ذلك حق تقرير المصير، وتحاصر أكثر من مليوني إنسان في قطاع غزة، وتصادر الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس وتطرد أهلها منها، وتمارس العنصرية ضد الفلسطينيين داخل حدودها، وهو ما يجعل استخدامها لحق الدفاع عن النفس ليس سائغًا قانونيًا لقتل وقصف وتشريد الفلسطينيين مرة أخرى. ومن الواضح للغاية أنّ ما يحصل ليس حوادث فردية، بل احتلال تقوده دولة وعليهِ، فيجب على هذه الدولة تحمل المسؤوليات الجنائية الواقعة عليها.

ويمكننا رصد أكثر من سبب يظهر فشل وضعف حجة إسرائيل في الدفاع عن نفسها، ولكننا سنكتفي باثنين، أولهما أنه لا يحق لدولة احتلال وهي تشن الحروب ضد الشعب ضد الاحتلال أن تدعي أنها حقها، فهذا الحق لا ينطبق في هذه الحالة ضد الفلسطينيين (بل العكس، ينطبق على الفلسطينيين ضد الاحتلال)، وثانيهما، أنا ما تفعله دولة الاحتلال في غزة ينهتك كل شروط الدفاع عن نفسها، خصوصًا الحاجة إلى دخول الحرب حينما تكون إمكانية عدم الدخول فيها متاحة، وكما أشرنا أعلاه، حين تمارس العنصرية والفوقية والسرقة ضد كل ما هو فلسطينيّ من إنسان وتاريخ وعمران وثقافة وما شابهه.

وكمبرر للحرب، يستند الدفاع عن النفس إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة والتي تنص على التالي: «ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء “الأمم المتحدة” وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي». وباستثناء منع تفويض مجلس الأمن، هذا هو التبرير القانوني الوحيد لاستخدام القوة من قبل بعض الدول ضد دول أخرى. لا يوجد ذكر للجهات غير الحكومية هنا. كما أن التشابه بين حقوق الفرد والدولة الذي يخبرنا به ليس إشكاليًا من الناحية المفاهيمية: فالدول ليس لديها حقوق الأفراد.

وبسبب «عدم الوضوح الجوهري بشأن المعايير القانونية للمادة 51»، فإن العديد من علماء القانون لا يرون أنها مناسبة للغرض. لقد حولت الدول العدوانية المادة 51 لآلية لتبرير العنف بدلاً من توظيفها كأداة لحظر استخدام القوة. صارت كل الحروب حروب دفاع عن النفس وكلها تُجرى باسم تأمين الدولة ضد التهديدات: ابتداءً من الغزو الأميركي لأفغانستان والعراق وليس انتهاءً بالغزو الروسي للشيشان وأوكرانيا. وكما قال نعوم تشومسكي ذات مرة: «إذا كانت لدينا سجلات تاريخية اليوم، فربما كنا اكتشفنا أن أتيلا الهوني[1] كان يتصرف بداعي الدفاع عن النفس أيضًا. نظرًا لأن تصرفات الدولة مبررة دائمًا من بحجة الدفاع، فإننا لا نتعلم شيئًا عندما نسمع أن بعض الإجراءات المحددة لها ما يبررها، إلا أننا نستمع إلى المتحدث باسم دولة ما، ونحن نعرف ما سيقول».

لقد انتقدت منظمة حقوق الإنسان الفلسطينية «الحق» أساليب «الحرب القانونية»[2] الوقحة والبذيئة التي تتبعها دولة في القانون الدولي. خلال غزو غزة في 2008-2009 ، جادل مؤسسة الحق بأن دولة الاحتلال لا تستطيع التذرع بالدفاع عن النفس كمبرر للحرب لأن الأمر يتعارض مع التزامات «إسرائيل» بصفتها محتلاً لغزة حسب المبدأ القانوني للضرورة العسكرية “كمبرر قانوني حصري لأي عملية ضد غزة”. في الواقع، «على الرغم من القبول الواسع بذريعة إسرائيل، فإن الوضع القانوني للأراضي الفلسطينية المحتلة يستبعد تطبيق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة كنتيجة للاحتلال المطول».

وهذا مدعوم بالتحليل الأكاديمي للقانون الدولي في إشارة إلى غزو دولة الاحتلال المتكرر لقطاع غزة. يحاج نورمان فينكلشتاين بأن «إسرائيل… لا تملك التفويض القانوني لاستخدام القوة ضد النضال الفلسطيني الساعي لتقرير المصير». لماذا؟ لأن «إسرائيل لا تستطيع التظاهر بحق الدفاع عن النفس إذا كانت ممارسة هذا الحق تعود إلى الخطأ المتمثل في الاحتلال غير القانوني/حرمان شعب من حقهِ في تقرير المصير (من عدم الحق في استخدام حق الدفاع عن النفس [لا يمكن استخلاص أي فائدة أو حق قانوني من عمل غير قانوني]).» الحقوق الوطنية الفلسطينية لها أهمية قصوى ويحميها القانون.

وعليهِ، فلا تملك دولة الاحتلال أي أساس قانوني لشن حرب ضد الفلسطينيين الذين يعانون من ويلات الاحتلال. وفي هذه الحالة فإن العكس هو الصحيح. يقع على دولة الاحتلال التزامات تجاه الفلسطينيين، وعليها أن تضع حدًا لانتهاكاتها لحقوق الفلسطينيين، لا أن تضيف إليها. هذا هو بالضبط ما يمكن أن يحمي مواطنيها بشكل صحيح وتأمينهم من صواريخ المقاومة العشوائية: من خلال حل النزاع سياسيًا وتحقيق السلام بدون احتلال. إن إنهاء حصار غزة والسماح للفلسطينيين بقدر ضئيل من الكرامة الإنسانية سيكون بداية جيدة[3].

وبغض النظر عن التبرير القانوني، علينا النظر إلى الطريقة التي تدير بها دولة الاحتلال ما تسميه بحملات الدفاع عن النفس. يمكننا رؤية الأمر في طريقة إدارة الخطاب العام وبعدد التقارير التي رفعتها منظمات حقوق الإنسان. منذ الانتفاضة الثانية على الأقل[4]، استخدمت دولة القوة العسكرية غير المتناسبة والعشوائية وغير الضرورية في انتهاك واضح للقانون الدولي. فهي تستهدف المباني المدنية وتقتل مئات الأطفال وتقضي على عائلات بأكملها وتفرض دمارًا واسعًا وعقابًا جماعيًا على جميع السكان المحاصرين. تظهر السجلات أيضًا أن دولة الاحتلال، حصرًا، تستخدم الدروع البشرية كتكتيك في حربها ضد الفلسطينيين.

إن استدعاء دولة الاحتلال لحق الدفاع عن النفس له وظيفة واضحة. فهو يسهل مهمة الاحتلال الإسرائيلي ويعزز مشروعها الاستعماري الاستيطاني. يحظر قانون الدولة القومية الجديد على دولة الاحتلال السماح للفلسطينيين بتقرير المصير في «إسرائيل» وفلسطين. يمكن فقط لليهود الإسرائيليين ممارسة هذا الحق. أصبح الفصل العنصري الآن على مرأى الجميع، ولم يعد من الممكن إخفاء السيادة اليهودية في إسرائيل أو تجاهلها. شاهد الحشود اليهودية الداعية إلى والراغبة في قتل الفلسطينيين في دولة الاحتلال على أنها أحدث تجسيد لذلك القانون.

كما أن دولة الاحتلال تستخدم القوة فيما تسميه بالردع العسكري. كيف؟ عبر ضرب الفلسطينيين بقوة كافية لتقزيم تطلعاتهم السياسية. إطالة الحروب لقصف وتدمير المزيد. وإرهاب الفلسطينيين لدفعهم للقبول مستسلمين بحياتهم المهينة. إذا نجحت هذه التجربة الصهيونية التي المُجربة، فنحن أمام عملية طردٍ وتهجير قسري جديدة في الأفق.

لكي يعيش الفلسطينيون والإسرائيليون في سلام ، يجب ألا تُمنح إسرائيل بعد الآن تصريحًا مجانيًا لحروب العدوان تحت ذريعة الدفاع عن النفس. إذا سمح لهذا الصراعِ (النكبة) أن يحتدم لمدة مائة عام أخرى، فلن يكون أحد في المنطقة بمأمن من الانفجار.


[1]  ملك هوني عاش بين عامي (395-453 م) كان آخر حكام الهون وأقواهم وأسس في إقليم روسيا وأوروبا إمبراطورية كبيرة الاتساع، عاصمتها في ما يسمى هنغاريا اليوم. امتدت إمبراطوريته من نهر الفولغا شرقا وحتى غرب ألمانيا غربا. فرض الجزية على الإمبراطورية الرومانية الشرقية (البيزنطية) بعد أن غزا مدن البلقان مرتين، وحاصر القسطنطينية في اجتياحه الثاني لبيزنطة وفشل الحصار.

[2]  استخدم الكاتب كلمة Lawfare ويعرفها تشارلز دونلاپ على أنها طريقة حربية يستخدم فيها القانون كوسيلة لتحقيق هدف عسكري.

[3]  بالطبع ألتزم فقط هنا بالترجمة ولا أقتنع بهذا الحل. نعم يمكن احتساب رفع الحصار عن غزة بداية، ولكن الفلسطينيين يريدون تحقيق كافة حقوقهم في نهاية المطاف، ليس ابتداءً من عودة اللاجئين، وليس انتهاءً بمحاسبة مجرمي الحرب وتقديم التعويضات عن سنوات من القهر والسرقة والقمع والقتل – المُترجم.

[4]  يستخدم الكاتب لغة تقريبية، ولكننا نعرف أن جرائم الاحتلال لم تختلف منذ أكثر من 70 عام، ولكن تختلف الأدوات. النكبة حدث مستمر، وليست لحظة واحدة فقط في تاريخ الفلسطينيين – المُترجم.


المصدر

أضِف تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s