«في وقتِ السّلم، يدفن الأبناء آباءهم، وفي وقت الحرب، يدفن الآباء أبناءهم». تُنسبُ هذه المقولة إلى المؤرخ اليوناني هيرودوت، وتستخدم كثيرًا للدلالة على انقلابِ ما هو معروفٌ بالضرورة عن الحياةِ في أوقات الحروب. قبل أشهرٍ قليلة، كنت في حوارٍ مع صديقٍ لي، نتحدث عن الفقدِ، عن أهلنا في غزّة، وعن الأخوة والرفاق الذين استشهدوا. أرادني صديقي وقتها أن أُشارك في بودكاست لأتحدث عن أخي الشهيد، محمد رحمه الله، ولكني وجدت نفسي تلقائيًا أميل إلى الرفض. أصرّ علي صديقي، الذي فقد كل عائلته في الحرب، وأخبرني أنها مسؤوليتنا أن نواصل الحكاية. ثم جاءني مُستدركًا، وسألني: «ألم تكتب عنه؟»، وقد كانت المفاجأة. استُشهِد أخي قبل عامٍ، ولم أكتب عنه غير إعلان استشهادهِ. أكتب اليوم يا أخي، بعد عامٍ على رحيلك، أكتبُ في رثائك يا أخي.
***
السّاعة الخامسة صباحًا من صباح يوم الثالث من تمّوز/ يوليو 2019، أخذتُ أخي مُحمَّد من فراشه، واصطحبته إلى سقفِ البيتِ، وخُضّت معه حوارًا كمن يُسلّمه أمانةً. هُو من بين البقيّة مَن توجّهتُ إليه بهذا الكلام، نظرًا لقوة شكيمته، وطول بالهِ، وشدّة عزيمتهِ. أوصيته بأهلي خيرا، وبأخواتي دعمًا. أخبرته أن يضع عبير وزهور نصب عينيهِ، وأن يكون خيرَ داعمٍ لهنّ خصوصًا بعد مُغادرتي. وقد أعطاني كلمته، بأنه سيعقل. وأنه سيدعمهن بكل ما أوُتي، وقد فعل. حضنته، ونزلتُ، وبعد ساعاتٍ توجّهت إلى معبر رفح البرّي، ولم أره وجاهيًا من يومها.
***
خبرتُ الموت والفقدَ مرَّات عديدة، وأتحدث عن الموت الشخصيّ، الذي يُحركك من الداخل، ويقلبك، ويهدم عليك حياتك. كانت المرة الأولى، مع فقدي للأخ والصديق مُهند يونس في صيف 2017. كنتُ قد خرجتُ بالكاد من صدمة حرب 2014 قبلها، ومن تشرّدها، ومن عذابها وويلاتها. كان مهند السّند وقتها. كُنتُ مضطربًا جدًا. كان عزائي. كنَّا نجلس في الميناء كثيرًا. عندما وصلني خبر موتهِ، سقطتُ على ركبتيّ. أصابني شلل. بكيتُ. بقيتُ على حالي لأيامٍ متتالية. لم أذهب لقبرهِ حتى موعد خروجي من غزّة. لكني أستطيع القول بأن اجتزتُ وفاتهُ وأنا في غزّة. ما زلت أستشعر روحه قطعًا. ما زلتُ أستشعر فقدي له، ولكني تجاوزتُ الصّدمة الأولى.
ثُمّ جاءني فقدُ أخي وصديقي محمد الشّيخ يوسف، والذي ظننتُ قبله أني صرتُ خبيرًا في الفقد، وأنّي صرتُ على مرِاسٍ مع التّجربة. ثم ذهب مُحمَّد. مُحمَّد الصديق. مُحمَّد الذي صار جزءًا من عائلةٍ بدأت بالتشكل في الغربة. ليس جزءًا. كان عائلةً بكاملها. طبّق أغنية فيروز تمامًا. «كبرتُ في الخارج، عرفت أهلًا آخرين، كالشجر استنبتّهم فوفقوا أمامي، صار لهم ظلٌ على الأرضِ، ومن جديدٍ، ضربتنا موجة البُغضِ، وها أنا أستوطن الفراغِ». كان مُحمّد سارية بيتٍ جديدٍ أحاول بناء أركانهِ رُكنًا رُكنًا. لكنه سُرعان ما تهاوى فوق رأسي. كنتُ في محاضرةٍ في خريف 2020، ووصلني الخبر الزؤام. سقطتِ على ركبتيّ، وأصابني شللٌ في يديّ، وتشنجت عضلات وجهي. واصلت البكاء لأيامٍ… انقلبت حياتي. فما كنتُ أراه فيها من أسسٍ استغرقني أكثر من عامٍ لبنائها، قد هُدِم أمامي في لحظة. ماذا يعني أن تموت في لحظة الوصول إلى الغاية؟ عشتُ حطامًا مرئيًا لعامٍ بعدها قبل أن أتجاوز هذا الفقد المُهشِّم. عشتُ حطامًا وكنت أعرف بأني حُطام. لم أكن أعرف كيف أستجمع نفسي، وهذا كل ما في الأمر. ثم انتظمت حياتي من جديد، بعد عامٍ كاملٍ، وأيامٍ… وقررتُ بأني صرتُ جاهزًا للموت. بأنه لم يعد يخيفني. بأنه لم يعد لديهِ ما يأخذه مني. بأنَّ قدرتي على احتمالِ الفقد قد صارت أقوى.
***
خبرتُ الموت مرَّاتٍ عديدة. أقصد بأني خبرته بنفسي. في الحُلم. رأيت نفسي أموت في أحلامٍ واعيةٍ أكثر من 10 مرّات. عشتُ نخزة الموت. رأيت نفسي أخرج من جسدي. عايشت السكرات الأخيرة أكثر من مرّة. متُ في قصفٍ. وفي بحرٍ. وفي برٍ، وفي نارٍ، وفي ثلج. ما مِن وسيط طبيعي، إلا وقد متّ عبره. لدرجة أنّ الموت نفسه لم يعد مخيفًا بالنسبةِ لي، بل صرتُ أتذكر الرَّاحة التالية للسكرات الأخيرة، والرَّاحة بعد التحرر من كل أعباء الحياة وثقل الجسد، صارَ الموت بالنسبة لي فكرةً مريحةً.
***
قبل عامٍ من اليوم. في مثل هذه الأوقات تمامًا. كان عصر الجُمعة. انتهيتُ وزوجتي من تناول طعام الغداء. قامت قبلي، وجلست على الأريكة في غرفة المعيشة. تُمسك بهاتفها. ثم ترميه فجأة. يتغير وجهها تمامًا. اسألها عمّا حصل. تجيبني مصدومة بأن أتفقد هاتفي. عرفتُ في هذه اللحظة أنّ أحدًا من عائلتي قد استُشهد. درّبت نفسي منذ بداية حربِ الإبادة على هذه اللحظة. كنت أعيش كل السيناريوهات في رأسي. كيف سأتصرف؟ كيف سأتلقّى الخبر. كيف سيكون سياقه. كيف ستكون ردة فعلي. وقد كان لدي الكثير من الوقتِ، والكثير من الفرص للتمرين. فكل يومٍ هناك موتٌ. كل يومٍ هناك قتل. كل يومٍ لديك تمرين جديد.
وكما كنتُ أنظر دائمًا في خبراتي السابقةِ مع الموت، ظننتُ بأنّي صرتُ جاهزًا لكي يكون الموت حدثًا عاديًا في حياتي. أمسكتُ هاتفي. تُرسل ابنة أختي، جنان، رسالة على مجموعة العائلة. تبكي. أسألها. تجيب. خالو محمد. استشهد خالو محمد. تركت الهاتف. صمتُّ. حضنتني زوجتي. لم أبكِ. انتشر الخبر. جاء الأصدقاء. لم أبكِ. بقي بعض الأصدقاء. لم أبكِ. كنت أقول بأنه الله قد رحمه. لم أبكِ. كنتُ أقول بأنه ارتاح. لم أبكِ. ظننت بأن تدريبي هو الذي يمنعني من البُكاء. ظننت الموت صار حدثًا عاديًا. لم أبكِ. نمتُ. وصحوت في اليوم الثاني، وجلستُ أترجم مقالة لموقع عرب 48. لم أبكِ.
أغلقتُ الباب على نفسي. بكيتٌ لدقائق خمس. ثم فتحت الباب وأكملتُ يوميّ. نسقتُ للعزاء. نمتُ لليوم الثاني. ولم أبكِ. في اليوم الثالث، ذهبت في السيارة إلى بيت العزاء، وقد اشتغلت أنشودة «قلّي وين رايح؟» لحمزة أبو قينص. كدّتُ أن أتسبب بحادثٍ سيرٍ. أوقفت السيارة على يمين الطريق. وبكيت لعشرين دقيقة. وواصلت طريقي. كم كان موحشًا أني كنت وحدي وقتها.
***
سافرتُ بعدها، وظننت بأنّي، مثل غيرها، قد تجاوزت الأمر، وعدت للعمل. في الأشهر التالية، رميتُ نفسي في العمل بشكلٍ مبالغٍ فيهِ، وصرتُ عصبيًا للغاية، ومتوترًا طوال الوقت. انهارت كل جدراني النفسية. صرتُ هشًّا. تحطمت كل أساطيري عن نفسي. ورغم كل هذا، لم أربط هذا بفقدانك يا أخي. ظننتُني خبرتُ الموت بما يكفي.
لم أدرك الأثر إلّا في نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، عندما رأفت بنفسي قليلًا. وأعطيت نفسي فسحةً للتفكير. عندما أعطيت لنفسي برهة للشعور بمشاعري. سبحة وانفرطت. بكيتُ بكاءً كنت قد اختزنته من أعوامٍ. حتى الآن، لم أعرف كيف أتجاوز فقدك يا أخي، ولا أعرف كيف أُعالج هذه المشاعر المنفجرة التي تركتها فيّ. كان علينا أن نلتقي مرةً على الأقل قبل استشهادك.
***
في بداية الحرب، كان أخي مُحمَّد خارج قطاع غزّة. إلا أنه لم يقوَ على تحمّل المعيشة خارجها وأهلنا داخلها. واختار أن يذهب إلى غزّة رغم اعتراضات والدي الكثيرة والكثيفة. اختارَ في تلك اللحظة أن يكون مع أهله، وفي مدينته، رغم الوعد بالإبادة. اختار أن يقف معهم. أن يسندهم. أن يكون لهم عونًا ورفيقا… وقد كانَ. كان بإمكانه أن يكون الآن فِي أي مكانٍ في العالم، ولكنه اختار غزّة.
***
عزائي بكِ يا أخي، أنك خرجت من غزّة، وأنك سافرت، ورأيت تُركيا بكل طبيعتها السّاحرة. عرفت الطيارة، وعرفت السفينة والياخت. عرفت القطار، وعرفت الجبال. والأنهار. والوديان. والتلال. عرفتَ كل هذه الأمور واقعًا لا نظريًا. عرفت كل العالم وسعتهِ. عملتَ، ففتح الله عليك رزقًا من السّماء. كنت تقدر أن تكون في أي مكان في العالمٍ، وقد اخترت غزّة.
***
أذكرُ الآن آخر رسالةٍ وصلتني منك. قبل أسبوعٍ من استشهادك. كنت توصيني خيرًا بأختي زهور، وتقول لي أن أتحدث إليها وأن أقنعها بأمر ما كان سيئًا لها. يا للمفارقة. حينما خرجتُ أنا من غزة، كنتُ أنا من يوصيك بها. وها أنت توصيني بها. ثُمّ رحلت. رحلتَ، فضربتني زلزالًا. هزّني فقدك يا أخي. هزّني لدرجةٍ لم أستوعبه حتى الآن. ما زالت الضربات الارتدادية تقلب عالمي بين الفينة والأخرى. خبرتُ الموت نعم، ولكنّه في كل مرةٍ يأتي جديدًا. خبرتُ الفقد نعم، ولكنه يوجع الأحياء. خبرتُ كل شيء، أو هكذا كنتُ أظن، ثم جاء فقدك يا أخي. رحمك الله، ولينزّل السلوان على قلوبنا…





في رثائك يا أخي… بعد عامٍ على رحيلك.
الدّوحة، قطر
16/05/2026

الله يرحمه ويغفرله ويسكنه فسيح جنانه ، اختارها الله من كل الناس حتى يصطفي الي مرتبة الشهداء ، كان ليفتخر بأخ مثلك ، وانا لله وانا اليه راجعون💔