الرئيسية > تدوينات عَامة, ترجمة - قصة قصيرة > المخيم الهندي (قصة قصيرة)

المخيم الهندي (قصة قصيرة)


maxresdefault (1)

تأليف: إرنست همنغواي

ترجمة: أنس سمحان

كان هناك زورق آخر جاهز على شاطئ البحيرة، وكان هناك هنديان بالانتظار. جلس نيك ووالده على مؤخرة القارب، وقام أحد الهنود بدفع القارب إلى البحيرة بينما بدأ الآخر بالتجذيف. جلس العم جورج على مؤخرة قارب المخيم. دفع شاب هندي القارب ثم قفز ليجذّف مع العم جورج.

بدأ القاربان يسبحان في الظلام. سمع نيك صوت مجاذيف القارب الآخر وتناهى إلى ذهنه أنهم أمامهم في الضباب. جذف الهنود تجذيفات متقطعة وسريعة. استلقى نيك وذراع والده حوله.  كانت المياه باردة. والهندي الذي كان يجذف قاربهم، كان يجذّف بجد وبقوة إلا أن القارب الآخر كان يسبقهم طوال الطريق.

يسأل نيك: “إلى أين نحن ذاهبون؟”

– “إلى المخيم الهندي. هناك امرأة مريضة جدًا.”

– “أوه.”

وعند عبورهم للخليج، وجدوا القارب الآخر قد سبقهم إلى الشاطئ. كان العم جورج يدخن السيجار في الظلام. سحب الهندي الشاب القارب إلى الشاطئ. أعطى العم جورج لكلا الهنديين سجائر.

ساروا مشيًا على الأقدام خلف الهندي الشاب -الذي كان يحمل في يده فانوسًا- من الشاطئ وخلال مرجٍ كان مبلولًا بقطرات الندى، ثم دخلوا في الغابة وتبعوا أثرًا إلى أن وصلوا إلى طريق مقطوع الأشجار ويؤدي إلى تلة. كان المشي أسهل بكثير في الطريق مقطوع الأشجار، لأن الأشجار كانت مقطوعة على الجانبين. توقف الشاب الهندي وأطفأ الفانوس وساروا جميعا على طول الطريق.

عندما وصلوا خرج كلب ينبح. كانت الأضواء ظاهرة من أكواخ الهنود. خرجت الكثير من الكلاب تنبح، ولكن الهنديان أرجعاها إلى الأكواخ. عند الكوخ الأقرب للطريق كان هناك ضوء على النافذة. وكانت هناك امرأة عجوز تقف عند المدخل وتحمل في يدها مصباح.

في الداخل وعلى سرير خشبي، كانت تستلقي امرأة هندية شابة. كانت تحاول أن تلد طفلها منذ يومين. جميع النساء المسنات في المعسكر كن يساعدنها وكان الرجال قد جلسوا في الظلام يدخنون بعيدًا عن صراخ الشابة الحامل. صرخت بمجرد دخول نيك خلف الهنديان ووالده والعم جورج إلى الكوخ. كانت تستلقي على سريرٍ سفلي وكان وجهها ملتف إلى إحدى الجانبين. كان زوجها على السرير العلوي لأنه قطع قدمه بفأس قبل ثلاثة أيام. كان الزوج يدخن الغليون، مما جعل رائحة الغرفة سيئة جدًا.

طلب والد نيك أن يوضع بعض الماء على الموقد، وبينما كان الماء يسخن، تحدث إلى ابنه نيك: “ستلد هذه السيدة يا نيك.”

– “أعلم يا أبي”

فرد الأب: “أنت لا تعلم. اسمعني جيدًا، ما تمر به هذه السيدة الآن يدعى المخاض. الطفل يريد أن يُولد والأم تريد أن تلده. كل عضلاتها تحاول أن تجعلها تلد، وهذا هو ما يحدث عندما تصرخ.”

– “آه.. حسنًا”

ولحظتها صرخت السيدة مُجددًا.

قال نيك: “ألا يمكنك أن تعطيها أي شيء ليوقف الألم يا أبي؟”

– “لا، لا أملك أي مخدر، ولكن صرخاتها غير مهمة. أنا لا أسمعها لأنها غير مهمة.

وقتها لف الزوج في السرير العلوي نفسه تجاه الحائط.

السيدة في المطبخ أعطت إشارة للطبيب إلى أن الماء صار ساخنًا. ذهب والد نيك إلى المطبخ وسكب نصف الماء تقريبًا من الغلّاية في طشت. أما الماء الذي تبقى في الغلّاية، فوضع عليه بعض الأشياء التي أخرجها من محرمة كانت في يده وقال: “يجب أن تغلي هذه الأشياء”. بدأ بفرك في الماء الساخن بالطشت باستخدام قطعة صابون كانوا قد أحضروها له من المخيم. تابع نيك والده وهي يفرك يديه بالصابون. وبينما كان الوالد يغسل يديهِ بعناية، تحدث: “حسنٌ يا نيك، من المفترض حين ولادة الأطفال أن يخرج الرأس أولًا، ولكن في بعض الحالات لا يسير الأمر بهذه الطريقة. وحين يحصل هذا، يتسبب الأمر بالمشاكل للجميع. قد يكون عليّ أن أجري عملية على هذه السيدة، سنعرف بعد قليل”.

 وعندما شعر أنه انتهى من يديهِ نشفهما وتوجه بالحديث إلى العم جورج وقال:” هل لك أن تسحب اللحاف؟ أفضل ألّا ألمسه”. لاحقًا وعندما بدأ بإجراء العملية، قام العم جورج والهنديان بإمساك السيدة كي لا تتحرك. عضت السيدة العم جورج فقال: “اللعنة عليك أيتها الهندية الساقطة”. فضحك الشاب الهندي الذي كان يجذف على القارب. أمسك نيك الطشت لوالده. استغرقت العملية وقتًا طويلًا. أخرج والده الطفل وأمسكه ثم صفعه ليجعله يتنفس ثم أعطاه للسيدة العجوز وقال: “أترى؟ أنه ولد يا نيك. كيف ترى نفسك كطبيب متدرب؟”. قال نيك: “جيد”، وكان ينظر بعيدًا كيلا يرى ما يفعله والده. قال الوالد: “ها هي العملية. هذا كل ما في الأمر”، ثم وضع شيئًا في الطشت. لم ينظر نيك. قال الوالد: “تبقى عليّ الآن أن أضع بعض الغرز. يمكنك أن تنظر أو لا تنظر. سأقوم الآن بتخييط الشق الذي أحدثته. لم ينظر نيك. لقد فقد فضوله منذ زمن بعيد.

انتهى والده ثم ووقف. العم جورج والهنديان أيضًا وقفوا. وضع نيك الطشت في المطبخ.

نظر العم جورج إلى ذارعهِ. ابتسم الهندي.

قال الطبيب: “سأضع بعض البيروكسيد على هذه العضة يا جورج”، ثم انحنى ليرى المرأة التي كانت هادئة وجفونها مغلقة. كانت تبدو شاحبة. لم تعلم أي شيء عن الطفل أو عن أي شيء.

وبينما كان الطبيب يقف، قال: “سأعود صباحًا، وستأتي الممرضة هنا من سانت إغناس بحلول المساء وستحضر معها كل شيءٍ سنحتاجه”.

كان يشعر بالابتهاج وكان لديه الاستعداد للحديث مثل فريق كرة قدم في غرفة تغيير الملابس بعد انتهائهم من اللعب.

– “سأضيف هذا الإنجاز إلى المجلة الطبية يا جورج. لقد قمت بعملية ولادة قيصرية باستخدام موس جيبٍ وقمت بخياطة الشق باستخدام إبرة يبلغ طولها تسع أقدام”.

كان العم جورج يستند إلى الجدار وينظر إلى يدهِ. قال: “أوه، أنت رجل عظيم بلا شك”.

قال الطبيب: عليّ أن آخذ نظرة الآن على الأب الفخور، لأن الآباء عادة هم أكثر من يعانون في مثل هذه الحالات. عليّ أن أعترف، لقد تلقى الأمر بهدوء منقطع النظير”.

سحب الطبيب البطانية من على رأس الهندي، ليجد يده رطبة. صعد الطبيب على حافة السرير السفلي وفي يده مصباح لينظر. كان الهندي مستلقيًا ووجهه باتجاه الجدار. كان حلقه مقطوعًا من الأذن إلى الأذن. تجمع الدم تحت الجسد على السرير. كان رأسه مرتكزًا على يده اليسرى، وكانت الشفرة مرمية على البطانية. قال الطبيب: “خذ نيك خارجًا يا جورج”.

لم تكن هناك حاجة لذلك. كان نيك يقف عند باب المطبخ وكان قادرًا على النظر إلى السرير العلوي عندما كان والده يحرك رأس الهندي إلى الخلف وفي يده المصباح.

كان ضوء النهار قد بدأ عندما قطعا الطريق مقطوعة الأشجار عودة إلى البحيرة.

قال والد نيك وقد ذهبت بهجته بانتهاء العملية: “أنا آسف جدًا يا بني لأني أحضرتك معي. لقد كان موقفًا سيئًا ذاك الذي وضعتك فيه”.

ردّ نيك: “هل تمر كل السيدات بذات الوقت العصيب عندما يلدن؟”

– “لا، لقد كان هذا الحدث استثنائيًا”

– “لماذا قتل نفسه يا أبي؟”

– “لا أدري، لم يعد قادرًا على تحمّل الأمور”

– “هل يقتل كثير من الرجال أنفسهم يا أبي؟”

– “ليس الكثير يا نيك”

– “هل تقتل كثير من النساء أنفسهن؟”

– “بالكاد”

– “لا يقتلن أنفسهن أبدًا؟”

– “أوه. يقلتن أنفسهن أحيانًا”

– “أبي؟”

– “نعم؟”

– “أين ذهب العم جورج؟”

– “سيلحق بنا قريبًا”

– “هل هو يحتضر يا أبي؟”

– “لا، أعتقد أنه بخير يا نيك. الأمر يعتمد على عدة أشياء”

كانا يجلسان في القارب. نيك على المؤخرة، ووالده يجذف.  كانت الشمس تظهر من خلف التلال. قفزت سمكة قاروس من الماء مما صنع دوائر على صفحتهِ. وضع نيك يده في الماء، فشعر بالدفء في برد الصباح الحاد.

في الصباح الباكر وهو جالس مع والده الذي يجذف، شعر نيك بأنه متأكد تمامًا من أنه لن يموت أبدًا.

img_4008

 

  1. لا توجد تعليقات حتى الأن.
  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: