الرئيسية > تدوينات عَامة, ترجمة - قصة قصيرة > رصاصة في الدماغ (قصة قصيرة)

رصاصة في الدماغ (قصة قصيرة)


 

bulletinthebrain1

كتابة: توبياس وولف. كاتب قصة القصيرة أمريكي وكاتب مذكرات وروائي، وهو معروف بمذكراته حياة هذا الصبي (1989) وفي جيش فرعون (1994). وقد كتب مجموعتين قصصيتين قصيرتين، بما في ذلك (The Barracks Thief (1984، والتي فازت بجائزة PEN/Faulkner للأدب.

ترجمة: أنس سمحان

لم يكن باستطاعة أندرس الوصول للبنك إلا قبل إغلاقه بقليل، وبالطبع، كان الطابور طويلًا وعلق بين امرأتين مزعجتين ويتحدثن بصوتٍ عالٍ مما جعله في مزاج يدفعه للقتل. لم يكن أندرس أبدًا في مزاج جيدٍ على كل حال. أندرس ناقد كتبٍ معروف بشدته ووحشيته الأنيقة التي استخدمها ضد كل كتاب كتب عنه مراجعة ونقده.

ومع أن الطابور ما زال طويلًا إلا أن إحدى موظفات التيلرات وضعت يافطة “مغلق” ثم سارت إلى داخل البنك وانحنت على أحد المكاتب وجلست تضيع الوقت مع شخص يرتب الأوراق. المرأتان أمام أندرس توقفتا عن الحديث وحدقتا في المرأة التي تركت التيلر بحقد. قالت إحداهن: “أوه، هذا لطيف”. التفتت إلى أندرس وأضافت وهي واثقة من اتفاقه: “هذه واحدة من تلك اللمسات الإنسانية الصغيرة التي تمنعنا من العودة للمزيد.”

كان أندرس قد ركز كراهتيه الشديدة على المرأة التي تركت التيلر لكنه حوله إلى المرأة الوقحة أمامه وقال: “ما هذا الظلم اللعين. هذا أمر مأساوي. إذا لم يقطعوا قدمك بالخطأ وإذا لم يقصفوا قرية أسلافك، فسيغلقون تيلراتهم”.

دافعت المرأة عن موقفها: “لم أقل إن الأمر مأساوي، بل أعتقد أن هذه طريقة سيئة للتعامل مع الزبائن”.

قال أندرس: “هذا لا يمكن التغاضي عنها. السماء ستسجل هذا”.

بلعت المرأة كبرياءها وغيرت اتجاه نظرها. رأى أندرس صديقتها تنظر في الاتجاه نفسه. توقف موظفو التيلر عما يفعلون والتف الزبائن ببطء ثم عم الصمت في جميع أرجاء البنك. كان هناك رجلان يرتديان أقنعة تزلج سوداء وبدلات رجال أعمال زرقاء ويقفان على جانب الباب. كان أحدهم يحمل مسدسًا موضوعًا على رقبة الحارس. كانت عينا الحارس مغلقتين وشفتيه تتحركان. قال الآخر والذي يحمل في يده بندقية: “اغلقوا أفواهكم”، مع العلم أن لم يتكلم أحد، ثم أردف: “إذا ضغط أي من موظفي التيلرات على جهاز الإنذار، فكلكم في عداد الأموات”.

هز موظفو التيلرات رؤوسهم موافقين.

قال أندرس: “أوه، برافو. في عداد الأموات”. ثم التف إلى المرأة أمامه وقال: “سيناريو عظيم، ها؟ اللغة القاسية والضعيفة للطبقات الخطرة”.

نظرت إليه المرأة بعيون مكتئبة.

دفع الرجل الذي يحمل البندقية الحارس وأجلسه على ركبتيه وأعطى بندقيته لشريكه ثم سحب أيدي الحارس إلى الخلف بقوة ثم وضع الأصفاد عليها بعدها أسقطه على الأرض مع ركلة بين ريش كتفه. أخذ بندقيته مُجددًا، ثم توجه ناحية بوابة الأمن. كان قصيرًا وثقيلًا وتحرك ببطء غريب وبفتور. قال شريكه: “أدخله إلى الداخل”. فتح الرجل الذي كان يحمل البندقية البوابة ومشى على طول ممر التيلرات، وأعطى كل واحد منهم حقيبة ضخمة. وعندما وصل إلى التيلر الفارغ، نظر إلى الرجل الذي يحمل المسدس والذي قال: “لمن هذا التيلر؟”

راقبَ أندرس موظفة التيلر. وضعت الموظفة يدها على حلقها واستدارت ناحية الرجل الذي سأل وحركت رأسها وقالت: “لي”.

“إذن فلتحركي مؤخرتك اللعينة إلى هنا وابدئي بتعبئة الحقيبة”.

قال أندرس للمرأة أمامه: “ها قد تم الأمر. حُققت العدالة”.

“يا هذا! أيها الفتى اللماح! هل تحدثت إليك؟”

فرد أندرس: “لا”.

“إذن، أغلق فمك اللعين”.

قال أندرس: “هل سمعتِ هذا؟ ’أيها الفتى اللماح‘ تخرج من فم القتلة”.

فردت عليها المرأة: “أرجوك، اصمت”.

تحدث الرجل الذي يحمل البندقية وهو يتجه ناحية أندرس: “يا هذا؟ أأنت أصم؟”. وضع المسدس على معدة أندرس وقال: “أتظنني ألعب معك؟”

“لا،” قال أندرس، لكن البندقية دغدغته مثل إصبع قاسي وكان عليه أن يردع المارقين. لقد فعل ذلك من خلال تحديقه في عيون الرجل، والتي كانت واضحة وراء الثقوب الموجودة في القناع: زرقاء شاحبة وناعمة بشكل أحمر. استمر جفن الرجل الأيسر في الارتعاش. كان ينفث رائحة ثاقبة مثل الأمونيا والتي صدمت أندرس أكثر من أي شيء حدث، وبدأ أندرس يشعر بعدم الارتياح عندما ضغط الرجل مرة أخرى المسدس على معدته.

“هل أنت معجب بي أيها الفتى اللماح؟ أتريد مص قضيبي؟”

“لا”.

“إذن، توقف عن التحديق بي”.

غير أندرس مكان تحديقهِ إلى حذاء الرجل اللمّاع.

“ليس إلى الأسفل. انظر إلى الأعلى”، ووضع المسدس تحت ذقن أندرس ودفعه إلى الأعلى حتى صار أندرس ينظر إلى السقف.

لم يسبق أن أبدى أندرس اهتمامًا كبيرًا لذلك الجزء من البنك، وهو مبنى قديم عتيق يحتوي على أرضيات رخامية وعدادات وأعمدة وفلترة ذهبية على أقفاص التيلرات. لقد زين السقف المقبب بالشخصيات الأسطورية التي رآها أندرس بلمحة سريعة قبل عدة سنوات، ثم توقف بعد ذلك عن ملاحظتها. الآن لم يكن لديه خيار سوى التدقيق في عمل الرسام. كانت اللوحات أسوأ من يتذكرها، وكلها نفذت بأقصى قدر من الجاذبية. كان للفنان بعض الحيل في جعبته واستخدمها مراراً وتكراراً – خدود وردية على الجانب السفلي من الغيوم، نظرة خاطفة متخلفة على وجوه الكيوبيدات[1] والفونات[2]. كان السقف مزدحماً بالعديد من الأعمال الدرامية، لكن تلك التي لفتت أنظار أندرس كانت زيوس وأوروبا والتي صوّرت على هذا السقف مثل ثور قبيح ينظر نظرة شهوانية إلى بقرة من خلف كومة قش. ولجعل البقرة مثيرة، تلذذ الرسام بالوركين بجعلهما موحشين ومنحها رموش طويلة متدلية من عيون كانت تنظر فيهما إلى الثور مرحبة بهِ ترحيبًا حارًا. وظهرت على وجه الثور ابتسامة متكلفة وكانت حواجبه متحدبة. وإذا كان قادرًا على الكلام، لقال: “هوبا هوبا[3]“.

“ما المضحك أيها الفتى اللماح؟”

“لا شيء”.

“هل تظنني مضحكًا؟ هل تعتقد يأني مهرج ما؟”

“لا”

“أتعتقد أن بإمكانك إزعاجي؟”

“لا”

“أزعجني مُجددًا وستكون في عداد الأموات. كابيش[4]؟”

انفجر أندرس ضاحكًا. وضع يديه على فمه وقال: “أنا آسف… آسف”، ثم شخر من قوة ضحكته ولم يستطع إيقاف نفسه وقال: “كابيش.. أوه يا إلهي.. كابيش”، وعندها رفع الرجل بندقيته وأطلق رصاصة مباشرة على رأس أندرس.

حطمت الرصاصة جمجمة أندرس ودخلت إلى دماغه وخرجت وراء أذنه اليمنى، ناثرة شظايا العظام من القشرة الدماغية والجسم الثفني والعقد القاعدية ونزولاً إلى المهاد. ولكن قبل كل هذا، ومع أول ظهور للرصاصة في المخ صدرت سلسلة طقطقات من الناقلات الأيونية والنواقل العصبية. وبسبب أصلها الغريب، تتبع هذه النماذج نمطًا غريبًا، داعياً إلى الحياة ظهر صيف قبل نحو أربعين عامًا، والذي كان قد ضاعت ذكراه منذ زمن بعيد. بعد ضرب الجمجمة كانت الرصاصة تسير بسرعة 900 قدم في الثانية، وهي سرعة بطيئة بشكل مثير للشفقة مقارنة بالإضاءة المتشابكة التي أومضت حولها. وعندما دخلت الرصاصة إلى الدماغ فقد صارت تحت وساطة زمن الدماغ وهو ما أعطى أندرس الكثير من وقت الفراغ للتفكير في المشهد، في عبارة كان يمقتها، “مر كل شيء أمام عينيه”.

تجدر الإشارة هنا إلى ما لم يتذكره أندرس. لم يتذكر حبيبته الأولى شيري أو لماذا كان على الأقل يعشقه بجنون قبل أن تتسبب في إثارة غضبه وبالأخص الطريقة الودية التي كانت تعامل فيها وحدته، والتي وصفتها بالخلد، “أوه، يبدو أن الخلد[5] يريد اللعب” و”دعونا نخفي الخلد!”. لم يتذكر أندرس زوجته التي كان يحبها أيضًا قبل أن تستنفذه لأنها كانت مملة، أو ابنته التي أصبحت الآن أستاذة في الاقتصاد في جامعة دارتموث. لم يتذكر وقوفه خارج باب ابنته بينما كانت تحاضر دبها حول شقاوته وتوصف العقوبات المرعبة التي سيتلقاها ما لم يغير من نفسه. لم يتذكر سطرًا واحدًا من مئات القصائد التي حفظها في شبابه حتى يتمكن من منح نفسه الرعونة عند الرغبة. لم يتذكر “صامتٌ، على ذروة في دارين” أو “يا إلهي، سمعت هذا اليوم” أو ” كل جميلاتي؟ هل قلت كل شيء؟ يا جحيم الطائرة ورقية! كل شيء؟” لم يتذكر أي من هذه القصائد. لم يتذكر أندرس والدته وهي تحتضر وتقول عن والده: “كان يجب عليّ أن أطعنه في نومه”.

لم يتذكر البروفيسور جوزيف وهو يخبر طلابه كيف تم إطلاق سراح السجناء الأثينيين في صقلية إذا ما تمكنوا من قراءة أسخيليوس، ثم تلاوة أسخيليوس باللغة اليونانية. لم يتذكر أندرس كيف أحرق عينيه عند تلك الأصوات. لم يتذكر مفاجأة رؤية اسم زميل في الكلية على غلاف رواية بعد فترة قصيرة من تخرجهم، أو الاحترام الذي شعر به بعد قراءة الرواية. لم يتذكر متعة الاحترام.

كما لم يتذكر أندرس رؤية المرأة التي انتحرت قافزة من على المبنى المقابل لمبناه بعد أيام فقط من ولادة ابنته. لم يتذكر صراخها، “يا رب ارحمني!” لم يتذكر صدمه سيارة والده عمدا في شجرة، بعد كسر ضلوعه من قبل ثلاثة من رجال الشرطة في مظاهرة مناهضة للحرب. لم يتذكر متى بدأ ينظر إلى كومة الكتب على مكتبه نظرة ملل وخوف، أو عندما غضب من الكتاب بسبب كتابتهم تلك الكتب. لم يتذكر متى بدأ كل شيء يذكره بشيء آخر.

هذا هو ما تذكره. الغضب. ملعب بيسبول. حشائش صفراء. صوت الحشرات. تذكر نفسه وهو يميل إلى شجرة بينما تجمع أولاد الحي من أجل لعبة صغيرة. ينظر إلى الآخرين بينما يتجادلون حول عبقرية مانتل وميس[6] النسبية. لقد كانوا قلقين من هذا الموضوع طوال الصيف، وأصبحوا مملين بالنسبة لأندرس: ضيق صدرٍ من الغضب.

ثم يصل آخر صبيين، كويل وابن عمه من ولاية ميسيسيبي. لم يلتق أندرس ابن عم كويل من قبل ولن يراه مرة أخرى. يقول مرحبًا بالباقي ولكن لا يوليه أحد أي اهتمام إلا بعد أن بدؤوا باختيار الفرق. يسأل البعض ابن عم كويل عن الدور الذي يريد أن يلعبه في الفريق. قال الصبي “لاعب وسط. باختصار هو أفضل وضع لي” “Short’s the best position they is”[7].” أندرس يلتف وينظر إليه. هو يريد أن يسمع ابن عم كويل يكرر ما قاله للتو، لكنه يعرف أفضل من أن يسأل. سوف يظن الآخرون أنه سيء لأنه يريد تصحيح ما قاله الصبي خطأ. لكن الأمر لم يكن كذلك على الإطلاق. أندرس مغرور بشكل غريب، من خلال هاتين الكلمتين الأخيرتين غير المتوقعتين والنقيتين وموسيقاهما، يدخل أندرس في غيبوبة وهو يرددهما بينه وبين نفسه.

الرصاصة صارت في دماغهِ بالفعل. في النهاية، ستقوم الرصاصة بعملها وستترك الجمجمة المضطربة خلفها وستجذب ذيلها المذنب مع الذاكرة والأمل والموهبة والحب. لا يمكن مساعدته. لكن في الوقت الحالي، ما زال بإمكان أندرس تحقيق بعض الوقت. الوقت للظلال لتطول على العشب، والوقت للكلب المربوط لينبح على الكرة الطائرة، والوقت للصبي في الملعب على اليمين ليضرب يديه ببعضهما وهو يرتدي القفاز الذي صار لونه أسودًا من العرق وليهتف: They is, they is. they is.


[1] إله الحب الإغريقي.

[2]  كائن أسطوري خيالي نصفه انسان ونصفه معزة.

[3]  تعبير إنجليزي “Hubba Hubba” يعبر عن الانجذاب الجنسي والموافقة والحماسة خصوصًا فيما يتعلق بمظهر شخصٍ ما.

[4]  كلمة إيطالية عامية بمعنى: “هل تفهم؟”

[5] حيوان صغير من الثدييات آكلة الحشرات والديدان وهو من الحيوانات مدرعة الأنف.

[6] لاعبا بيسبول أميركيان.

[7]  قال ابن عم كويل They is  بدلًا من They are أو بدلًا من Short’s the best position for me.

  1. لا توجد تعليقات حتى الأن.
  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: