الرئيسية > تدوينات عَامة, ترجمة - مقالات وأوراق > الإيمان بالجهل: الساسة الذين يقتبسون من الدين، لا يعرفون عن الدين شيئًا

الإيمان بالجهل: الساسة الذين يقتبسون من الدين، لا يعرفون عن الدين شيئًا


o-RELIGION-AND-POLITICS-facebook

في عام 1802، أرسل كاتب اعلان استقلال الولايات المتحدة الأمريكية توماس جيفرسون برسالة إلى معمدانية مدينة دانبري ليخبرهم فيهم أن التعديل الأول في وثيقة الحقوق يؤسس لـ “جدارٍ يفصل” بين الدولة والكنسية (الدين). وكما جاء في نص التعديل الأول: “ألّا يصدر الكونغرس أي قانون خاص بإقامة دين من الأديان أو يمنع حرية ممارسته”.

وعلى الرغم من ذلك النص، إلا أننا نرى أن السياسة الأميركية الحديثة غارقة حتى أخمص قدميها في الدين. فالرئيس الأمريكي يقسم على الكتاب المقدّس، ولا يمكن أن نتصور رئيسًا أميركيًا قادرًا على إعلان إلحاده أو أن يقول إن الإله مجرد خيالٍ أو أنه لا يوجد مصدر خارق للطبيعة للأخلاق. والأدهى من ذلك هو استخدام الكثير من الساسة والأميركيين للكتاب المقدس في الحياة اليومية من أجل تبرير معتقداتهم السياسية.

trump

الرئيس الأميركي الحالي -دونالد ترامب- يقسم على الكتاب المقدس في حفل التنصّيب.

فعلى سبيل المثال، قام النائب جون شيموكس والذي قام بتكذيب دعوة “التغير المناخي” عام 2009 باستخدام آيات من سفر التكوين في إنجيل متّى: “لن تنتهي الأرض إلا عندما يعلن الرب بأنه قد حان وقت النهاية. لن يدمر الإنسان الأرض. ولا يكون أيضا طوفان ليخرب الارض”. وبالمثل لقد استخدم الرئيس الأميركي السابق بارك أوباما سفر الخروج في خطابه عن المهاجرين معلنًا: “يخبرنا الكتاب المقدس ألّا نظلم الغريب، لأننا نعرف كيف يشعر… لأننا كنا غرباء مرة قبلًا”. واستخدم دونالد ترامب الكتاب المقدس كدعامة لإقناع الإنجيليين للتصويت لصالحه. (وفقا لترامب، فإن الكتاب المقدس هو “كتابه المفضل”، يليه “فن الصفقة”.)

استخدم الديمقراطيون والجمهوريون والمحافظون والليبراليون، وحتى غير المسيحيين مثل بيرني ساندرز الكتاب المقدس لدعم مواقفهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ولكن ماذا يقول الكتاب المقدس حقًا حول القضايا الساخنة مثل تغير المناخ والهجرة وزواج المثليين والإجهاض والضرائب والنساء وقيم الأسرة والرعاية الاجتماعية؟ هذا اسم كتابٍ لفرانسيس فلانري ورودني ويرلاين “الكتاب المقدس في النقاش السياسي” وفي الكتاب قام 14 عالمٍ بالكتاب المقدس والذي ويصفهم فلانري بأنهم “المتمسكون الحقيقيون بالكتاب المقدس”، بإزالة كل لبس ممكن وكل شيء حمّل للكتاب المقدس من أجل معرفة ما هو المراد حقًا بكلماتهِ وليبينوا كذلك بأن محاولة تطبيق نص الكتاب المقدس على الأحداث حالية قد يؤدي للعديد من المشاكل.

الكتاب عبارة عن استكشاف مدهشٍ لنصٍ قديم يعتقد الكثير من الأميركيين بأنهم يعرفونه، ولكن في حقيقة الأمر هو أنهم لا يعرفون عنه شيئًا. كما حاول الكتاب التحقق والتأكد من التفسيرات الأكثر قبولًا من الكتاب المقدّس لدى الناس. يقول ويرلاين: “كتابي ليس هراءً ليبراليًا، وإنما دعوة من أجل الفكر النقدي والمحادثة. وأعتقد أن هذا ما سيجعله غير مريح لكثير من الناس عند قراءتهِ عليه، سواء الليبراليين أو المحافظين”.

وكانت هناك العديد من الأسئلة الموجهة لمؤلفي الكتاب منها: لماذا تعتقدون أنّ على علماء الكتاب المقدس أن ينزلوا من أبراجهم العاجية وأن يبحثوا في القضايا الشائكة أعلاه من جديد؟ أليس الكتاب المقدس واضح جدًا حول قضايا مثل زواج المثليين؟ الرعاية الاجتماعية؟ وهلم جرًا. فأجاب رودني ويرلاين: “تريد الحقيقة؟ الأمر ليس واضحًا ومباشرًا كما تتصوره، فبين العالم الذي نعيش فيه وبين [عالم الكتاب المقدس] ملايين من السنين. فالقضايا الثقافية والاجتماعية والأخلاقية والمعرفة العلمية والهياكل السياسية كانت كلها مختلفة جدًا عما هي عليهِ اليوم. وإذا قمت بإضافة التقدم في علم النفس والطب إليهما، فإن الكتاب المقدس حقا لا يجيب على مثل هكذا أسئلة بهكذا مباشرة. ومع ذلك، فإنه وعلى مر السنين الأخيرة، لم يكن هناك أي مكانًا يجمعنا لنتناقش حول هذه الأشياء. ومن هذا المنطلق كان هذا الكتاب. قد لا يقول الكتاب المقدس أي شيء حول أي شيء او قد يقول عددًا من الأشياء حول ذات الشيء وحتى إن تشابه ما قال مع ما نريد فما يقوله الكتاب المقدس يسبح في سياق مختلف آخر تمامًا عن السياق الذي استخدم فيه في النقاش السياسي”.

ويجيب فرانسيس فلانري على ذات السؤال: “تكمن المشكلة والخطر، عندما يقوم الساسة بالاقتباس الانتقائي من الكتاب المقدس دون أدنى فهم أو إدراك بأنه قد توجد تفسيرات أخرى لنفس النص. يقوم هؤلاء الساسة بأخذ فهمهم للنص وفرضهِ على الآخرين حين استخدامه بهذه الطريقة. وعمومًا فإن الساسة يستخدمون الكتاب المقدس كمطرقة وكنص مطلقٍ لتقديم وتقوية وجهات نظرهم متخذّين ومصدّقين بأنهم فهمهم للنص هو الفهم الوحيد والأوحد، وهنا مكمن الخطر.”

وفي نفس السياق، سُئِل المؤلفين حول أهم وأكبر سوء فهم حول الكتاب المقدس في عالم السياسية. فأجاب فلانري بأن أكبر سوء فهم وأكبر كذبة حول الكتاب المقدس هو أنه يمكن أن نجد الإجابات بشكل واضح وصريح من النص دون البحث والتمحيص.

وأيضًا طُرح سؤال آخر: كثير ما نسمع بأن الولايات المتحدة الأميركية دولة مسيحية تأسست على مبادئ الديانة المسيحية. في رأيكم؟ إلى مدى ترون هذا صحيحًا؟ هل كان الآباء المؤسسون للولايات المتحدة “مسيحيين” حسب الفهم الحديث للمصطلح؟

يجيب ويرلاين على هذا السؤال: “لا أعتقد أنه كان لدى الآباء المؤسسين أي شكل من أشكال الإيمان بالمسيحية لأنهم كانوا ربوبيين، وإلا لكنا قد عرفنا هذا منذ فترة زمنية طويلة. فعلى سبيل المثال، لقد كان توماس جيفرسون مؤمنًا بأنه يجب تعديل الكتاب المقدس ومن يقول بهذا فهو حرفيًا يقطع ويكسر قدسية الكتاب والديانة. لا يمكنني الآن أن أتخيل أي سياسيٍ جديٍ يقف ويقول بأنه “يعمل على نسخة جديدة من الكتاب المقدس” مثلما قالها جيفرسون. بعض الآباء المؤسسين كان لديهم قليل من الإيمان وأغلبهم لم يكونوا يؤمنون بأي ديانة، وبعضهم تلاعب بالناس باستخدام الدين لتحقيق هدف أو نتيجة معينة. وفي كلا الحالتين، فإن الدستور الأميركي يعمل على إبعاد الدين عن الدولة وطريقة حكمها. ولا وجود لكلمة [الله/الرب] في الدستور، ولكنها موجودة في إعلان الاستقلال. ولكن حسب المادة 6 والتعديل الأول فإن لدينا قانون وبيان واضح بأنه يجب أن نبقي السلطة والدين منفصلين عن بعضها البعض!


المصدر

  1. لا توجد تعليقات حتى الأن.
  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: