طُغيان الوقت


في ظهيرة يومٍ غائم ورطب في الخامس عشر من فبراير عام 1894، مشى الفرنسي مارشال بوردين إلى حديقة گرينتش في شرق لندن. كان للشاب الفرنسي شعر داكن وناعم وممشط إلى الخلف وشارب عريض.  جال الشاب طرقات الحديقة الملتوية إلى أن وصل إلى المرصد الملكي، والذي كان قد بُني قبل عشر سنوات بوصفهِ مركزًا رمزيًا وعلميًا لوقت الساعة القياسي على مستوى العالم (توقيت گرينتش) وكذلك رمز للإمبراطورية البريطانية. حمل بوردين في يده اليسرى قنبلة: حقيبة ورقية بنية تحوي في داخلها عبوة معدنية مُعبأة بالمتفجرات. ومع اقترابهِ من المرصد، جهز القنبلة بزجاجة من حمض الكبريتيك، ولكن وعند وقوفه مواجهًا للمرصد، انفجرت القنبلة في يديه.

كان الانفجار قويًا بما يكفي ليجلب انتباه عامليْن كانا في داخل المرصد. هرعا راكضين، ورأيا حارس الحديقة وبعض أطفال المدارس يركضون باتجاه الشخص المتكور على نفسهِ بالقرب من المرصد. وجدوا بوردين يتأوه ويصرخ. تكسّرت قدماه، وإحدى يديهِ تقطعت مع الانفجار، وظهر ثقبٌ في معدتهِ. لم يُعرّف بوردين عن نفسهِ، ولم يذكر حوافزَ فعلتهِ عند نقلهِ إلى المستشفى القريب، ومات بعد 30 دقيقة.

حديقة گرينتش – لندن

لا أحد يعرف تمام المعرفة السبب وراء وجود بوردين في الحديقة في ذلك اليوم. أظهر تحقيق أن له صلة ببعض المجموعات الأناركية. انتشرت العديد من النظريات: أنه كان يجرب القنبلة في الحديقة ليرمي بأخرى لاحقًا على مقر مركز الشرطة أو أنه كان في الطريق ليعطيها لشخص آخر. ولكن لأنه جهَّز القنبلة ومشى في الطريقة الملتويّ، ظن كثير من الناس ومن بينهم خبيرة المتفجرات في وزارة الداخلية ڤيڤيان ديرنگ ماجيدني والروائي جوزيف كونراد أن بوردين كان يريد مهاجمة المرصد الملكي. جدير بالذكر أن كونراد بنى حبكة روايته «العميل السري» على هذا الحدث تقريبًا.

كان بوردين، بشكل أو بآخر، يحاول تفجير الساعة، متخذًا من فعلهِ رمزًا ثوريًا أو محاولة ساذجة لمحاولة التأثير على قياس الوقت في العالم. لم يكن بوردين أول من يهاجم ساعة في تلك الفترة، ففي پاريس، خرّب شخص كل الساعات العامة في المدينة تباعًا، وفي بومباي، أطلق بعض المحتجين النار على ساعة سوق كروفرود الشهيرة.

كان البشر، حول العالم، غاضبون من الوقت…

قد يبدو تخريب الساعات عملًا غريبًا الآن، لأن المُجتمع الحديث مهووس بالوقت، للدرجة أن كلمة «time» صارت أكثر الأسماء (Nouns) استخدامًا في اللغة الإنجليزية. ومنذ ظهور أولى ساعات العقارب على واجهات الكنائس والمباني العامة، صرنا نُقرّب الساعات إلى أنفسنا شيء بعد شيء: وضعنا الساعات في أماكن عملنا وفي مدارسنا ومنازلنا وعلى معاصمنا وعلى هواتفنا وحواسيبنا المحمولة وشاشات التلفاز التي نحملق فيها طوال اليوم.

التحول – لوحة فنية لويليام هيگنسون

نُنظم حياتنا بالوقت الظاهر على الساعات. تتحدد رواتبنا وحياتنا العملية عبر الساعة، وحتى وقت فراغنا، يكون محكوم بها أيضًا. ولنعمم الحديث أكثر لنقول حتى إن وظائفنا الجسدية صارت تنظم بالساعة: فنحن نحن نأكل وجباتنا في أوقات معينة، وليس في حالة الجوع فقط، وننام في الوقت المناسب، وليس حين نشعر بالتعب والنعاس، وصرنا نولي أهمية لصوت منبه الساعة صباحًا أكثر من نوليه لشروق الشمس الظاهر من مركز مجموعنا الشمسية.  ولم يتوقف الأمر هنا، بل صار من الغريب أن تأكل طعام الغداء قبل الظهيرة، لأننا عملنا على تبطين منطق الساعة في حيواتنا. صرنا «حيوانات محكومة بالوقت»، حسب تعبير الاقتصادي والمنظر الاجتماعي الأميركي جيرمي ريفكِن  في كتابه المنشور عام 1987 «حروب الوقت». «كل تصوراتنا عن الذات والعالم تأتي متأثرة بالطريقة التي نتخيل ونشرح ونخضع فيها للوقت».

في غمرةِ جائحة كوڤيد-19، ذكر كثير من الناس أن خبرتهم مع الوقت كانت غريبة. فالبقاء الممتد في المنزل والعمل الكثيف والزائد جعل الناس يشعرون وكأن أيامهم حالت إلى ساعات والساعات قد حالات إلى دقائق، وفي حين بعض الأشهر بدت أنها غير منتهية، بعضها الآخر مرّ كأنها لم تكن. كما لو أن شرخًا قد حصل بين الوقت في أذهاننا والوقت في ساعاتنا.

استكشفت الدراسات الأكاديمية كيفية تأثير مشاعرنا (في أثناء الجائحة الغادقة بالحزن والقلق) على تصورنا للوقت. أو لربما لأننا لم نكن نتحرك ولم نكن نختبر تغييرًا في أفعالنا. في النهاية، الوقت يعني التغيير حسب أرسطو، فما لا يتغير يخرج من الزمان. ولكن الغريب أنه لم يفكر/يشكك أحد في الساعات نفسها، وهي الأدوات التي تساعدنا على قياس الوقت، الدقات الإيقاعية التي عرفنا عبرها التشوهات الغريبة في حياتنا. استمرت الساعات في الجري، الثانية تلو الأخرى، ثم الدقائق، ومن بعدها الساعات، غير مدركة للأزمة التي ضربت العالم. كانت الساعات صحيحة ومحايدة ومطلقة.

ولكن ما الذي يجعلنا مُخطئين ويجعل الساعة صحيحة؟ يقول كيڤن بيرث، أستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة مدينة نيويورك، «لكثير من الناس، كانت الحصة الأخيرة التي كرَّس الناس فيها وقتهم للساعات والوقت في أوائل المدرس الابتدائية. دَرس بيرث الساعات لأكثر من ثلاثين عام. يضيف: «ثمة أمر مركزيّ في حياة كل مُجتمعنا، وموجود في كل الإلكترونيات من حولنا، ولكننا نعيش حياتنا بمعرفتنا من المدرسة الابتدائية حوله».

يعد بيرث واحدًا من جوقة الفلاسفة وعلماء العلوم الاجتماعية والمؤلفين والفنانين الذين يعتقدون بضرورة إعادة تقييم علاقتنا مع الساعات، لكثير من الأسباب. يقولون بأن الساعة لا تقيس الوقت، بل تنتجه. في كتابهِ «أهداف الوقت» يذكر بيرث: «فالوقت المتناسق بناءٌ رياضياتيّ، وليس قياسًا لظاهرة بعينها». ولا جدال أن هذا البناء الرياضياتي قد تشكَّل عبر القرون باستخدام العلم، ولكن يدخل أيضًا في تشكيله القوة/السلطة والديانة والرأسمالية والكولونيالية. الساعة أداة اجتماعية مفيدة تساعدنا على ترتيب أنفسنا وحياتنا بما له علاقة بالأشياء التي نهتم بها، ولكنها في الآن ذاته، تحمل بعدًا سياسيًا كبيرًا. ومثل كل أمرٍ سياسي، فهي، أي الساعة، تُفيد مجموعة من الناس، وتهمش مجموعة أخرى، وتعمينا عن الفهم القويم لما يحصل فعلًا.

فكلما عملنا على خلق «تزامنٍ» بين أنفسنا وبين الوقت في الساعات، اختل توازننا نحن وذواتنا مع أجسادنا ومع العالم من حولنا. واقتباسًا لمفردةٍ من العالم البيئي بِل مكبِن، حاجَّت ميشيل باستيان، المحاضرة في جامعة إدنبرة ومحررة الدورية العالمية المجتمع والوقت، بأن بالساعات جعلتنا «مضطربين على نحوٍ مُهلِك» حول طبيعة الوقت. في العالم الطبيعي، لا تعني حركة الساعات والدقائق شيئًا. وبالتالي، فإن تراكم غازات الدفيئة (الاحتباس الحراري) في الغلاف الجوي، والانقراض المفاجئ للأنواع التي عاشت على الأرض لملايين السنين، والانتشار السريع للڤيروسات، وتلوث التربة والمياه، كل هذا التأثير الحقيقي يتجاوز مجال فهمنا لأننا نُخضعُ أنفسنا لنظام وقتيٍّ له معنى فقط بالنسبة للبشر.

The Morality of Capitalism – Pacific Legal Foundation

في العصر الذي نحارب فيه البنى الاجتماعي للعرق والنوع الاجتماعي والجنسانية ونفككها، غاب عن بالنا أن نضيف طبيعة «وقت الساعة» إلى جانبها. ومثلما حصل مع النقود، صرنا ننظر إلى الساعة على أنها الأمر الذي كانت من المفترض أن تقيسه: صارت الساعة هي الوقت.

ليست الساعة أداة بريئة كما يعتقد كثير من الناس. الساعة ليست انعكاسًا لوقتٍ صحيح ومطلق يراقبه العلماء. بل هي منتجٌ مصنوع، وقد تغير وتبدل لأغراض اجتماعية وسياسية. إليك بالتوقيت بالصيفي على سبيل المثال، فهو أمر عشوائي نحن خلقناه. وكذلك أن الأسبوع فيه سبعة أيام. يتحدث بيرث «يظن كثير من الناس أنه وفي مكان ما، ثمة ساعة كبرى مركزية مثل قضيب البلاتين في المكتب الدولي للأوزان والمقاييس. ولكن لا يوجد. فالوقت في الساعات منتج رياضياتي محسوب. لا توجد ساعة واحدة على الأرض تعطي وقتًا صحيحًا».

يخبرونا في المدارس الغربية بأن الوقت في ساعاتنا (وتقويمنا) يتحدد بدوران الأرض وأيضًا بحركة الشمس في السماء. نعرف نحن أن الأرض تكمل دورة كاملة حول الشمس مرة كل 365 يوم، وهو ما يُحدد طُول السنة، وتدور الأرض حول محورها مرة كل 24 ساعة، وهو ما يحدد طول اليوم. وعليهِ فإن الساعة تكون 1/24 من طول دورة الأرض حول محورها، والدقيقة 1/60 من الساعة، والثانية 1/60 من الدقيقة.

ولكن ليس أيًا مما ذُكرناه أعلاه صحيح. فالأرض ليس كرة بالمعنى الحرفي للكلمة، وحركتها كذلك ليست بالدقة التي نتخيلها. الأرض كتلة مستديرة وعرة ومضغوطة عند قطبيها، وحركتها متذبذبة. لا تدور لمدة 24 ساعة تمامًا يوميًا، ولا تدور حول الشمس لمدة 365 يومًا سنويًا. بل تدور تقريبًا حول هذه الأرقام. فالكمال والدقة مفهومين بشريين، لأن الطبيعة غير منتظمة.

لآلاف السنين، تصالحت المجتمعات البشرية مع اللا-انتظام في الطبيعة البشرية، مستخدمين الشمس والقمر والنجوم ليفهموا مرور الوقت. أول أدوات تحديد الوقت في التاريخ كانت المزولة (أو المزولة الشمسية أو ساعات الظل): لم تكن ساعات اليوم (آنذاك) تتكون من 60 دقيقة ثابتة، كما أن الساعات كانت تطول وتقصر لأنها كانت تتحدد حسب مدار الأرض، فيجعل البشر يشعرون أن أيامهم أقصر في الشتاء وأطول في الصيف. لم تحدد هذه الأداة الساعات ولا الدقائق ولا الثواني، بل عكست ببساطة البيئة المحيطة وأخبرتك بمكانك ضمن إيقاعات الطبيعة الدورية. 

ولكن ومنذ القرن الرابع عشر، أخذنا نتجاهل الطبيعة وبدأنا نحسب إحساسنا بالوقت عبر أجهزة مصنوعة بأيدينا. أول من استخدمَ الساعات المصنوعة كانت الأديرة في شمالي ووسط أوروبا، حيث بنى الرهبان الأتقياء أجسامًا حديدية غير دقيقة، إلا أنها كاتب تضرب ببعضها تلقائيًا في فترات زمنية مُحددة لمساعدة ضاربي الأجراس على تتبع ساعات الصلاة الكنسية. ومثلها مثل أية آلة، كان مبدأ عمل هذه الساعة الميكانيكية مبنيٌ على الانتظام، الدقات الصارمة لميزان الساعة. خلقت هذه الآلة معها طريقة جديدة للتعامل مع الوقت… صار الوقت سلسلة متجانسة من فترات متماثلة يوفرها مصدر واحد، وليس إيقاع يُحدده خليط من الظواهر الطبيعية التي نلاحظها.

أدت الحمّى الدينية لتقسيم الوقت وضبط حياة الإنسان بالمؤرخ الأميركي لويس مومفورد لوصف الرهبان البينديكتين على أنهم «المؤسسون المحتملون للرأسمالية الحديثة». لربما تكون هذه واحدة من أكبر المفارقات في تاريخ المسيحية… أن تكون الديانة هي من أدارت العجلة غير المتوقفة والهستيرية للدقة العلمية بسبب حاجتها لضبط الوقت. هذا الضبط الذي أدّى في النهاية إلى علمنة الوقت في الغرب ودفعه للانفصال عن الرب، صانع الساعات الأصلي، وابتعادهم عنه تمامًا.

«فكلما عملنا على خلق «تزامنٍ» بين أنفسنا وبين الوقت في الساعات، اختل توازننا نحن وذواتنا مع أجسادنا ومع العالم من حولنا».

وبحلول عام 1656، كان العالم الهولندي كريستيان هيوخانس قد اخترع أول ساعة بندولية، والتي قدمت لأول مرة، الوحدة الزمنية الصغيرة والمنتظمة: الثواني. وعلى خلاف الساعات الميكانيكية غير المنتظمة قبلها، كانت الساعة البندولية أقرب ما تكون إلى الكمال في وقتها. في العام نفسه، نجح عالم الفلك البريطاني جون فلامستيد وآخرون في حساب متوسط الزمن الشمسي وهو متوسط حساب دوران الأرض. وبهذا كان العلم قد وجد طريقة للتغلب على الانحرافات المتذبذبة للأرض، مما أدى إلى إنتاج وحدة متسقة قابلة للقياس الكمي أصبحت تُعرف باسم توقيت گرينتش لاحقًا.

صار الوقت القياسي مُهمًا وحيويًا للبحارين وجذابًا للغاية لأصحاب المصالح من الشركات، وذلك لأنها تسهل حركة التجارة والمواصلات والاتصالات الكهربائية. ولكن وصول الساعة إلى العامة، استغرق وقتًا. خلال مرحلة «الهوس بالسكك الحديدية» في بريطانيا في أربعينيات القرن التاسع عشر، أُنشئ حوالي 6000 ميل (حوالي 9656 كلم) من خطوط السكك الحديدية في جميع أنحاء البلاد. حاول المستثمرون (بما في ذلك تشارلز داروين وجون ستيوارت ميل والأخوات برونتي) بكل ما لديهم الحصول على أسهمٍ في شركة السكك الحديدية في موجة من الرأسمالية الحرة التي تسببت في واحدة من أكبر الفقاعات الاقتصادية في التاريخ البريطاني. بدأت شركات مثل Great Western Railway وMidland Railway في فرض توقيت گرينتش داخل محطاتها وعلى قطاراتها لجعل الجداول الزمنية تعمل بكفاءة.

اعتادت كل مدينة وبلدة وقرية في بريطانيا ضبط ساعاتها على التوقيت الشمسي المحلي الخاص بها، مما منحها إحساسًا واضحًا بالهوية والزمان والمكان. فإذا كنت تعيش في نيوكاسل، تكون الظهيرة عند وصول الشمس إلى أعلى نقطة في حركتها، بغض النظر عن الوقت في لندن. ولكن نظرًا لأن السكك الحديدية قدمت جداول زمنية موحدة، فقد استبعد العمل بالأوقات المحلية واستبدالها بالتوقيت الجديد. وبحلول عام 1855، ضُبطت جميع الساعات العامة تقريبًا على توقيت گرينتش، أو «توقيت لندن»، وأصبحت الدولة بكاملها منطقة زمنية واحدة.

كانت مدينة بريستول المتمردة واحدة من آخر المدن التي وافقت على التوقيت القياسي: كان في ساعة المدينة الرئيسية في مبنى Corn Exchange عقرب ثالث للإشارة إلى «توقيت بريستول» للسكان المحليين الذين رفضوا التكيف مع الوقت الجديد، وما يزال ذلك العقرب موجودًا حتى يومنا هذا.

وعندما وصلت خطوط سكة الحديد إلى أميركا، قسمتها إلى أربعة مناطق زمنية متمايزة، مما أشعل الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد. إذ نشرت صحيفة The Boston Evening Transcript «دعونا نحتفظ بظهيرتنا»، وكتبت صحيفة The Cincinnati Commercial Gazette «دعوا سكان سينسيناتي يلتزمون بالحقيقة كما تمليها عليهم الشمس والقمر والنجوم».

غالبًا ما يتم النظر إلى مؤتمر ميريديان الدولي لعام 1884 باعتباره اللحظة التي سيطر فيها وقت الساعات على العالم، إذ قُسِّمت الكرة الأرضية إلى 24 منطقة زمنية تعلن كل واحدة منها عن أوقات مختلفة للساعة، وكلها متزامنة مع وقت أقوى إمبراطورية، بريطانيا وتوقيت گرينتش. لم يعد في العالم أشخاص يحاولون فهم وقتهم اليومي عبر الطبيعة بعدها، بل يجب أن تخبرهم سلطة مركزية ما بالوقت. جادل المؤلف كلارك بلايز أنه بمجرد تنفيذ ذلك، «لم يعد يهم ما أعلنته الشمس على الإطلاق. لقد مات “الوقت الطبيعي”».

«ليست الساعة أداة بريئة كما يعتقد كثير من الناس. الساعة ليست انعكاسًا لوقتٍ صحيح ومطلق يراقبه العلماء. بل هي منتجٌ مصنوع، وقد تغير وتبدل لأغراض اجتماعية وسياسية».

طُغيان الوقت – لوحة فنية لويليام هيگنسون

أما في الواقع، فكانت العملية قد بدأت خلال القرن التاسع عشر بطوله نتيجة للكولونيالية والإمبريالية والاضطهاد الذي مارسته أوروبا. لم تكن الكولونيالية محض غزوٍ للأرض، أي غزو للفضاء فقط، بكل كانت غزوًا للزمان أيضًا. فمن جنوب آسيا مرورًا بإفريقيا وليس انتهاءً بأوقيانوسيا، اعتدى الإمبرياليون على أشكال قياس الوقت. نظروا إلى كل منطقة لا تستخدم الساعات والأجراس الكنائسية الأوروبية على أنها مناطق وأراضٍ دون وقت -لا زمانية-.

في كتابهِ «استعمار الوقت» يذكر المؤرخ الأسترالي جيوردانو ناني: «قام التمدد الأوروبي في مجالات التجارة والمواصلات والاتصال بالتوازي مع السيطرة على الطرق التي كانت تنظر فيها المجتمعات إلى الوقت. إن المشروع الهادف إلى تقسيم العالم كله في مصفوفة من الساعات والدقائق والثواني لهو أكبر دليل واضح على إرادة أوروبا العالمية». وللتعبير عن الأسطر أعلاه ببساطة: إذا كانت الشركة الهندية الشرقية هي التجسيد الفيزيائي للكولونيالية البريطانية، فقد كان توقيت گرينتش هو التجسيد الميتافزيقي للكولونيالية عينها.

ساعد الفصل الغربي بين وقت الساعة وإيقاعات الطبيعة الإمبرياليين في فرض سيطرتهم وتفوقهم على الثقافات الأخرى. فعندما اجتاح المستعمر البريطاني جنوب شرق أستراليا بحثًا عن الذهب، صَور أدوات قياس الوقت عند السكان الأصليين على أنها غير منتظمة وغير متوقعة على خلاف وقت الساعة الإمبريالية العقلاني والخطّي. ويجدر بالذكر أن أدوات قياس الوقت عند المُجتمعات الأصلية كانت متقدمة وقائمة على عدة متغيرات مثل القمر والنجوم والأمطار وتفتح أزهار بعض الأشجار والشجيرات وارتفاع المد، واستخدموا كل هذا ليحددوا مدى توفر الغذاء والموارد الطبيعية الأخرى والمسافة والتواريخ في التقويم.

يكتب ناني: «رأى أوربيو القرن التاسع عمومًا أن هذا التقارب مع الطبيعة يدعو إلى التشكيك في إنسانية أولئك الذين مارسوها، وهذا جزئيًا له علاقة بأن قيم التنوير تفهم الإنسانية حسب مدى قدرة الإنسان في تفوقه وهيمنته على الطبيعة، والعكس صحيح، فكلما كنت قريبًا من الطبيعة، فأنت وحشيّ».

في ملبرون، تنامت أعداد الكنائس وسكك الحديد باطِّراد جالبة معها الأيادي والأوجه والأجراس والنغمات المصاحبة لوقت الساعة. وبحلول عام 1861، وضعت كرة وقت في منارة وليامزتاون وتزامنت ساعة ملبورن مع ساعة گرينتش. حاول المستعمر البريطاني دمج السكان الأصليين في القوى العاملة، ولكن النتائج كانت مُخيبة لهم، لأنهم، أي السكان الأصليون، رفضوا التضحية بأدوات قياس الوقت لديهم. كتب عالم الاجتماع الأسترالي مايك دونالدسون أنهم رفضوا الانصياع «لأعمال السخرة عديمة المعنى» ورفضوا الخضوع «للساعة». ويضيف، «كان الوقت بالنسبة لهم… طاغية».

وفي بعض الأجزاء من أستراليا، استمر السكان الأصليون في مقاومة وقت الساعة الغربية وفي عصيانها. في عام 1977، وفي قرية صغيرة اسمها پوكاجتا (المعروفة باسم إيرنابيلا)، بنيت ساعة إلكترونية دوارة وعملاقة بالقرب من مركز القرية لمساعدة سكان الپيتجانتجاتچارا على ضبط حياتهم. وبعد مرور عقدٍ من الزمان، لاحظ عامل إنشاءات أبيض أن الساعة كانت قد توقفت عن العمل منذ أشهر. لم يلاحظها أحد. لم يكن يراقبها أي من السكان.

«رأى أوربيو القرن التاسع عمومًا أن هذا التقارب مع الطبيعة يدعو إلى التشكيك في إنسانية أولئك الذين مارسوها».

وصلت حركة الوقت القياسي إلى أوجها في خمسينيات القرن العشرين عند أُقِرّ بأن لدى الساعات الذرية قدرة أعلى على قياس الوقت… قدرة أفضل من قدرة الأرض نفسها. أعيد تعريف الثانية، كوحدة زمنية، ليس على أنها جزء من دورة الأرض حول الشمس، بل كعدد محدد من اهتزازات ذرات السيزيوم داخل ساعة ذرية.

وأخبرتني باستيان عبر تقنية الاتصال المرئي «إذا لاحظنا البحث عن الدقة المطلوبة في أدوات قياس الساعة، فنرى أنها تقوم أساسًا على عزلها عن كل ما يحيط بها، فصلها عن الحرارة والتقلبات الجوية والرطوبة وحتى عن تأثيرات الجاذبية الكمية. لا يجب أن تستجيب الساعات الحديثة لأي شيء». حدثتني باستيان من بيتها في إدنبرة وكان يبدو خلفها على الحائط ملصقٌ مكتوب عليه: «الساعة التي تنام».

Shutterstock

توجد أكثر من 400 ساعة ذرية في المختبرات حول العالم تقيس الوقت باستخدام الثانية الذريّة. وباستخدام عددٍ من هذه الساعات، سيجري إنشاء ساعة ذرية دولية، والتي ستشكل الأساس للتوقيت العالمي المُنسق (UTC)، ولا يستجيب هذا التوقيت لأي شيء آخر غير الذرة. وكل عدة سنوات، ستضاف ثانية كبيسة إلى الساعة لضمان بقائها متناسقة مع دورة الأرض. ولكن في عام 2023، في المؤتمر العالمي للاتصالات الراديوية، ستناقش الدول من جميع أنحاء العالم ما إذا كان من مصلحتنا إلغاء الثواني الكبيسة وإبعاد أنفسنا بشكل دائم عن الشمس والقمر لصالح الوقت الذي نصنعه بأنفسنا.

كتب الناقد الأدبي فريدريك جيمسون «صار تخيل نهاية العالم أسهل من تخيل نهاية الرأسمالية». من أصعب الأمور التي يمكن تخيلها هو أثر الرأسمالية على تصوراتنا عن الوقت. صارت الساعات الآن مضمنة في سيكولوجيتنا ونراها كسلعة يمكن إنفاقها أو تضييعها.

«كتب الناقد الأدبي فريدريك جيمسون «صار تخيل نهاية العالم أسهل من تخيل نهاية الرأسمالية».

لم تخلق الرأسمالية وقت الساعة، ولم تخلق الساعات الوقت كذلك، ولكن التقسيم العلمي والديني للوقت إلى وحدات متماثلة شكّل بنية تحتية مفيدة للرأسمالية بما يسهل عليها استغلال وتحويل الأجساد والعمال والمنتجات إلى قيمة. وتحاجج باربرا آدم، عالمة الاجتماع البريطانية، أن وقت الساعة ربط بين الوقت والمال في كتابها «الوقت»، وتضيف، «وبهذا صار تسليع الوقت وتوفيره والتحكم بهِ ممكنًا، وبعدها، عُمِّمت هذه الممارسات وعُولمت وفُرضت على أنها الطبيعي الجديد في كل العالم».

وتكمل آدم بأن وقت الساعة غالبًا «لا يعتبر الأداة الطبيعية التي نختبر الوقت عبرها فقط […] وإنما المقياس الأخلاقي لوجودنا ذاته». حتى أكثر العمليات طبيعية الآن يجب التعبير عنها في وقت الساعة لتكون مقبولة.

تجد النساء خصوصًا أنفسهن ضحايا لهذا المقياس العشوائي. فالعمل غير المدفوع في البيت وفي رعاية الأطفال – والذي ما زال حتى هذه اللحظة يقع في أغلبه على كاهل المرأة – ينزلق من حسابات الساعة، في حين أن تجربة الحمل نفسها تخضع إلى حد كبير إلى وقت الساعة. وتقتبس آدم رواية امرأة عن تجربتها في الولادة: «تكون المرأة في حالة المخاض، والمجبرة على توجيه كل تركيزها على الطلق من قوتهِ، فاقدة لاتصالها القريب مع وقت الساعة،» ولكن في بيئة المستشفى، حيث تُقيَّم الولادة وتُقسَّم إلى وحدات زمنية من الساعة، يزيد الضغط على المرأة لمتابعة ما وصفته أليس آينيون-والر، أستاذة القبالة في جامعة سوانسي، بـ «سيناريو الولادة الطبي».

«صارت الساعات الآن مضمنة في سيكولوجيتنا ونراها كسلعة يمكن إنفاقها أو تضييعها».

يتم التقليل من قيمة التجربة المباشرة للمرأة التي تلد وحدسها لصالح المواعيد والقياسات المتعلقة بالطول المتوقع لمراحل المخاض والتباعد بين الانقباضات (الطلق)، والتقدم في اتساع عنق الرحم وغيرها من الملاحظات. لغة مثل «الفشل في التقدم» شائعة عندما لا يكون أداء المرأة متطابقًا مع المتوقع، ويمكن استخدام هذا «الفشل» للتطابق مع وقت الساعة على أنه ذريعة للتدخل الطبي. ويعد هذا أحد أهم الأسباب المؤدية لزيادة شعبية حركة الولادة في المنزل مؤخرًا.

بعد الولادة، يعتاد الأب والأم على تحول طفلهم إلى ساعتهم الجديدة، وأي مظهر من مظاهر الوقت القياسي يصير غير عقلاني عند التعامل مع مولود جديدٍ، ولكن مثله مثل أي أمرٍ آخر، يتعلم الطفل في المدرسة الزمانية القاسية في فصول لا يمكنه التفاوض معها، وأوقات وجبات صارمة، بما يجبر إيقاعاته البيولوجية للالتزام بوقت الساعة المقبول اجتماعيًا.

وكما أخبرني بيرث «تساعدنا الساعة مع الأمور منتظمة المدة، ولكنها تُخرّب أي أمرٍ آخر غير منتظم… عند محاولتك لجدولة عملية طبيعية، لا تتعاون معك الطبيعة في ذلك».

التغير المناخي والوقت البشري

شاهد العلماء في عام 2002 بذهول لارسن بي، وهو جرف جليدي في شبه جزيرة أنتاركتيكا أكبر بـ 55 مرة من مانهاتن -المستقر منذ 10000 عام- ينقسم وينهار إلى مئات الشظايا بحجم ناطحات السحاب. وقال عالم جليديات حلّق فوق الجرف المنهار لمجلة Scientific American أنه تمكّن من رؤية حيتان تسبح في الماء حيث كان الجليد يبلغ سمكه ألف قدم (305 متر تقريبًا) قبل أيام فقط.

بين عشية وضحاها تقريبًا، كانت تنبؤات وقت الساعة السابقة حول فقدان كتلة الجليد بحاجة إلى إعادة كتابة للإقرار بتسارع نسبته 300% في معدل التغيير. وفي عام 2017 ، سقطت قطعة من الجرف الجليدي لارسن سي، مما أدى إلى تكوين أكبر جبل جليدي في العالم، والذي كان كبيرًا جدًا لدرجة أنه كان لا بد من إعادة رسم الخرائط. يطلق الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ على مثل هذه الأحداث المفاجئة، التي تحدث بكثرة، اسم «مفاجآت».

أزمة المناخ تحصل في عالم يختل فيه التوقيت الخطي بشكل متكرر ويؤدي إلى اختلالات قاتلة، فهي تصور الأزمة على أنها أمر قابل للقياس ويمكن التنبؤ به، على أنها أمرٌ يمكننا تصوره بنفس الطريقة التي ننظر فيها إلى ساعات العمل والعطلات والأعمال المنزلية والمشاريع. يتم ترجمة درجات الحرارة المرتفعة وتحمض المحيطات وذوبان الجليد ومستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي باستمرار إلى وقت على الساعة لإنشاء نقاط تحول وعتبات وخرائط طريق وأهداف تنمية مستدامة لنا للتغلب عليها أو نتطلع إليها. وعندما تقع «مفاجأة»، تنهار تقديرات الوقت في مواجهة الواقع. فالطبيعة لا تتعاون.

الأمر نفسه يحصل عند وضع قيود على مقدار الوقت المتاح أمامنا لوقف الاحتباس الحراري. أطلقت صحيفة الغارديان مدونة تحت اسم «100 شهر لإنقاذ العالم» في يوليو 2008، واستخدمت أبحاثًا وتنبؤات علمية لتكون قادرة على «تقدير الوقت اللازم قبل الوصول إلى عتبة اللاعودة». كان هذا قبل 154 شهرًا. هل قطعنا 54 شهرًا الآن بعد نهاية العالم؟ رُبَّما. لا يسع المرء إلا أن يتساءل عما إذا كان التأطير المستمر لأزمة المناخ باستخدام المواعيد النهائية حسب وقت الساعة، والذي يمر بعد ذلك دون تعليق، قد ساهم في عدم قدرة الكثيرين على فهم خطورة ما يحدث بالفعل.

يذكر ڤيجاي كولينجيڤادي، الباحث في معهد سياسة التنمية بجامعة أنتويرب: «كل هذا لا يعني أن وقت الساعة ليس مُهمًا. في كثير من الأحيان يكون القياس ضروريًا ويجب علينا استخدامه. على سبيل المثال، لقد قررنا أنا وأنت أن نتحدث الساعة العاشرة صباحًا، وتحدثنا. ولكن عندما نفكر بالرأسمالية والأزمة الاجتماعية وانهيار النظام البيئي، هنا تظهر المشكلة. وقت الساعة يُستغل دائمًا لأجل الإنتاجية والنمو وكل الأمور التي أدت في إلى هذه الأزمة البيئية بالمقام الأول».

واحدة من أشهر الأساطير حول وقت الساعة، هو أننا نختبر، جميعنا، الوقت بنفس الوتيرة. هذا خاطئ. قال كاتب روايات الخيال العلمي ويليام گيبسون في عام 2003: «المستقبل قد وصل بالفعل، إلا أنه غير موزعٍ علينا بالتساوي. يتجاهل تأطير أزمة المناخ ووصفها بأنها «ساعة آتية» ولا وقت لدينا «لتجنب الكارثة» أولئك الذين حلت بهم الكارثة بالفعل. أن تتجاهل زمانية الأحداث الطبيعية وأن تعيش وفقًا لوقت الساعة فقط صار امتيازًا.

تجتاح الفيضانات منطقة الغرب الأوسط الأميركي كل بضعة سنوات بينما يتضخم نهر ميزوري بسبب هطول الأمطار الغزيرة، مما يقلب حياة الملايين. وعندما حدثت الفيضانات في صيف عام 1993، أجرى صحفي من نيويورك تايمز مقابلة مع أحد السكان حول الليلة الإجلاء. يتذكر كل شيء عن الليلة التي أجبره فيها النهر هو وزوجته على الخروج من المنزل الذي عاشا فيه لمدة 27 عامًا – باستثناء أمرٍ واحد. «لا أستطيع إخبارك بيوم الفيضان… كل ما يمكنني قوله هو أن ارتفاع النهر كان 26 قدمًا (8 متر تقريبًا) عندما غادرنا». كان عنوان المقالة، «يقيسون الوقت بالقدم».

في عام 1992، نشر عالم الفيزياء الفلكية آلن لايتمن رواية اسمها «أحلام آينشتاين»، حيث يروي قصة خيالية عن آلبرت آينشتاين الشاب وهو يحلم حول كيف يمكن للتفسيرات المختلفة للوقت في حياة من حوله أن تؤثر على حياتهم. في أحد الاحلام، يرى آينشتاين عالمًا لا يقاس الوقت فيه، إذ «لا توجد لا ساعات ولا وتقاويم ولا مواعيد مُحددة. تقع الأحداث متأثرة بأحداثٍ أخرى، لا بالزمن. فالمنزل يقوم عندما تصل الأحجار والأخشاب إلى موقع البناء. يعطيك المحجر الأحجار إذ كان في حاجة إلى المال… تغادر القطارات محطة  البلازا (Bahnhofplatz) إذا امتلأت العربات بالرُكاب». وفي حلم آخر، يكون الوقت مُقاسٌ، ولكنه كان يقاس عبر «إيقاعات النعاس والنوم، والشعور بالجوع، وعبر الدورة الشهرية عند النساء، وعبر مدة الشعور بالوحدة».

وظهرت مؤخرًا محاولات كثيرة في الأدب والفن لإعادة تخيل الساعة والدور الذي تؤديه في حياتنا. في نهاية عام 2020، عرضَ الفنان داڤيد هورڤيتز مجموعة من الساعات التي صنعها، حيث تتزامن واحدة منها مع دقات القلب. أما الفنان سكوت ثريفت، فقد صنع ساعة اسمها «اليوم»، والتي تبسط مرور الوقت وتشرحه عبر تقسيمات مثل الفجر والظهيرة والغسق ومنتصف الليل، وليس بالثواني والدقائق والساعات، وتتحرك عقارب الساعة بنصف سرعة الساعة العادية، وتدور في اليوم دورة كاملة.

اقترحت وقدّمت باستيان ساعات متجاوبة مع بعض الأمور التي صارت مؤقتة ومتأثرة بأزمة المناخ، حيث صنعت ساعة متزامنة مع مستويات تعداد سلاحف البحر المهددة بالانقراض، وهي حيوانات عاشت في المحيط الهادئ لأكثر من 150 مليون سنة، ولكنها الآن على وشك الانقراض بسبب التغيرات في درجة الحرارة. هذه  الأعمال وغيرها تحمل في داخلها الفكرة نفسها: توجد أكثر من طريقة لتنظيم ومزامنة أنفسنا مع العالم من حولنا، بعيدًا عن الزمن المجرد والمطلق والذي يأخذنا أسرىً في دورته.

«صاروا أسرىً لاختراعاتهم ولجرأتهم، وعليهم أن يدفعوا التكلفة بحياتهم».

لربما يكون وقت الساعة قد استعمر الكوكب، ولكنه لم يدمر البدائل التقليدية لقياس الوقت تمامًا. بعض الديانات تحافظ على صلتها بالوقت عبر الطبيعة، مثل الصلاة في الإسلام والزمانيم في اليهودية، إذ تقام الصلوات قياسًا بظواهر طبيعية مثل الفجر والغسق ومواقع النجوم، وربما يكون قد جرى تحويل لهذه الأوقات إلى أوقات على الساعة، إلّا أن الساعة ليست من يُحدد أوقات الصلاة.

وفي الأماكن حيث يجبر الناس على اتباع الوقت القياسي، ما زال البعض  يتمرد، في الصين مثلًا، حيث تخضع الدولة كلها لمنطقة زمنية واحدة (BST). في شينجيانغ، أي على بعد 2000 ميل على الغرب من بكين، حيث ترقد الشمس أحيانًا عند منتصف الليل حسب توقيت بكين القياسي، تستخدم كثير من مجتمعات الإيگور طرقهم المحلية الشمسية لقياس الوقت.

وما تزال مجتمعات السكان الأصليين في جميع أنحاء العالم تستخدم التقويمات البيئية، والتي تقيس فيها الوقت من خلال ملاحظة التغيرات الموسمية. على سبيل المثال، القبائل الأميركية الأصلية حول بحيرة أونيدا تعرف موعد بدء الحرث مع تفتح زهرة معينة وبعدها يبدؤون في نصب الفخاخ للحيوانات الخارجة من سباتها الشتوي. على عكس تنسيق الساعة والتقويم القياسي، فإن هذه التقويمات البيئية، بطبيعتها، تتأثر وتستجيب لمناخ دائم التغير.

في أحد الأحلام الأخيرة في كتاب لايتمن، يتخيل أينشتاين عالمًا لا يختلف كثيرًا عن عالمنا، حيث تحدد «ساعة عظيمة» الوقت لجميع سكان الكوكب.  يصطف عشرات الآلاف من الأشخاص كل يوم خارج معبد الوقت حيث توجد الساعة الكبرى في انتظار دورهم للدخول والانحناء أمامها. يكتب لايتمن: «يقفون بهدوء، لكنهم في سرِّهم يغلون غضبًا. لأن عليهم أن يراقبوا قياس ما لا ينبغي قياسه. عليهم أن يراقبوا مرور الدقائق والعقود بدقة. صاروا أسرىً لاختراعاتهم ولجرأتهم، وعليهم أن يدفعوا التكلفة بحياتهم».

اضغط هنا لقراءة المقالة الأصلية.


مع بداية العام الجديد، هذا واجب تدويني عن الوقت والساعات والزمَّان، وأرشّح الصديق فرزت الشيَّاح لمشاركتي هذا الموضوع أولًا على شكل تدوينة، ولاحقًا في بودكاست.

أضِف تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s